يعود تاريخ أول محاولة لمقاومة تأثير الهزات الأرضية، إلى القرن السادس قبل الميلاد، عندما كان البناؤون في بلاد الفرس يضعون ألواحا حجرية ضخمة بين البناء وأساساته بهدف الحدّ من الاهتزازات خلال الزلازل. واليوم يقوم المهندسون بعزل المباني عن الأساسات، بواسطة نوابض معدنية وركائز تحميل كروية وحواش مطاطية، كلها مصممة لامتصاص الطاقة الناتجة عن الموجات الزلازلية.
وهذا العام قام فريق من علماء الفيزياء في جامعة ليفربول الإنجليزية والمعهد الفرنسي الوطني للأبحاث العملية باختبار استراتيجية مختلفة تتمثل في إعادة توجيه الموجات السيزمية الزلزالية برمتها بحيث تحرف مسارها عن المبنى. وبدلاً عن امتصاص الهزات الأرضية، يقوم حاجز عملاق مدفون حول ناطحة السحاب، ببساطة، بتحويل اتجاهها، مثلما يتدفق الماء حول صخرة ضخمة تعترض طريقه بدلاً من محاولة زحزحتها.
ويتألف هذا التصميم المبتكر من صفيحة اسمنتية بلاستيكية على شكل حلقات متحدة المركز تحيط بأساسات البناء. ويتم ترتيب المواد من الأصلب إلى الأطرى تدريجياً من الحلقات الخارجية إلى الحلقات الداخلية. وتتبع الموجات السيزمية المسار الأقل مقاومة باتجاه الحلقات الأكثر صلابة، منحرفة بذلك بعيداً عن الأساسات، خلال مرورها عبر الصفيحة الواقية.
وتظهر نماذج التمثيل الحاسوبي أن ذلك التصميم قادر على حماية الأبراج من الأمواج الأكثر تدميراً والتي تنتقل بشكل أفقي من مركز الزلزال عبر التربة، وتشكل نسبة 70 بالمئة من إجمالي الموجات السيزمية الناتجة عن الهزة الأرضية. ونظرياً، «تستطيع هذه التقنية حماية أي مبنى من أي نوع»، كما يقول مايكل تانتالا، مهندس الطيران وخبير الزلازل في شركة تانتالا أسوشيتس في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
لكن كيف يمكن إخفاء البناء عن الموجات السيزمية؟
يقوم العمال بدفن الصفيحة لتغطي على الأقل ثلاثة أقدام تحت سطح التربة وهي الطبقة التي تنتقل عبرها معظم الموجات الزلزالية الأفقية حول أساسات المبنى، مع ترك فراغ ثلاثة أقدام بين الأساس الصخري القاعدي والصفيحة بحيث يمكن للصفيحة أن تهتز بدون التسبب بأية أضرار خلال مرور الأمواج السيزمية من خلالها. وأثناء الهزة الأرضية تنتقل الموجات القادمة في التربة عبر الصفيحة الاسمنتية البلاستيكية، التي تزداد حلقاتها صلابة كلما ابتعدنا أكثر عن المركز باتجاه المحيط الخارجي.
ومن المعروف أن الأمواج تنتقل في المواد الصلبة أسهل بكثير من انتقالها في المواد اللينة، ولذلك فمن الأسهل علينا الركض على طريق معبد من الركض في الوحل. وفي كل مرة تضرب فيها موجة طبقة لينة، ترتد بفعل انحناء تلك الطبقة، فتنحرف باتجاه الحلقات الخارجية الأصلب مبتعدة بذلك عن المبنى. وبوصول الموجة إلى منتصف الصفيحة، تضعف قوة الانحناء، ويؤدي زخم اندفاع الأمواج نحو الأمام إلى دفعها مجدداً لتكمل مسارها الأصلي بعد تجاوز المبنى، تماماً مثلما يعود تيار المياه في الصخر إلى شكله الأصلي بعد تجاوز صخرة تعترض طريقه.
ويأمل العلماء أن تساعد هذه التقنية الجديدة إلى جانب أحدث التطورات في مجال رصد الزلازل في الحد من الخسائر البشرية والمادية التي تتسبب بها الهزات الأرضية في أمكان مختلفة من العالم. حيث أثبتت اليابان من واقع تجربتها الرائدة في هذا المجال أن الأبراج المقاومة للزلازل أصبحت ضرورة حيوية لكل بلد بعد أن أثبتت فعاليتها في إنقاذ أرواح آلاف البشر خلال الزلازل المدمرة.
امتصاص الهزات
سيلجأ المهندسون إلى استخدام اسطوانات امتصاص الاهتزازات التقليدية إلى جانب الصفيحة الجديدة، لأنها لن تستطيع وحدها توفير الحماية ضد جميع أنواع الموجات، حيث تقتصر فاعليتها القصوى على المناطق التي تكون فيها الموجات السارية أفقياً أكثر تدميراً، في أماكن مثل سياتل وسان فرانسيسكو.
ويقول سباستيان جوينو، أحد أعضاء فريق الخبراء الذي طور الصفيحة المضادة للزلازل: «كل شيء حول البناء سيطاله الدمار، لكن المبنى نفسه سيبقى ساكناً.» وسيقوم الخبراء في العام المقبل باختبار نموذج أولي بعرض قدمين، وقد يطبق التصميم المبتكر الجديد في المباني الجديدة والقديمة على حد سواء ابتداءً من 2014.
