ينظر إلى كندا دائماً على أنها تلك الدولة المسالمة ذات المساحة الشاسعة ببضعة ملايين من المهاجرين الأغنياء الذين يعيشون حياةً مترفة بعيدة عن هموم ومشاكل عالم ما وراء المحيط الأطلسي الذي أتى منه هؤلاء. وإن يتفق كثيرون على صحة الشطر الثاني من تلك النظرة، إلا أن الأعوام الأخيرة جعلت من كندا لاعباً فاعلاً على الساحة السياسية أجبرت الأميركيين على التخلي عن نظرتهم التقليدية تجاه «الجار الشمالي الغني».

ويعود الفضل في ذلك دون شك إلى رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر الذي تسلم سدة الحكم في شهر فبراير من العام 2006. يعتبر هاربر المخطط الحقيقي لسياسات بلاده الخارجية رغم حداثة عهده وذلك لاتباعه مساراَ واضحاً بشأن العديد من القضايا الدولية وحمله بلاده على التدخل وإبداء مواقفها بشكلٍ لم تعهده من قبل إزاء مشاكل العالم وهو ما كانت كندا تتجنب الخوض فيه مفضلةً البقاء على دكة مصدري البيانات ليس إلا.

ينتمي هاربر إلى حزب المحافظين الذي مثله في البرلمان ونهج سياسةً ترفض الانسحاب الفوري من أفغانستان التي زارها ولم يكن مر على فوزه في الانتخابات شهراً ونيف.

وانخرط أكثر في قضايا الشرق الأوسط ووثق علاقات أوتاوا مع جارتها واشنطن إبان عهد الرئيس السابق جورج بوش. ولم يكن مفاجئاً والحال كذلك أن يخصها الرئيس الحالي باراك أوباما بزيارته الخارجية الأولى بعيد تنصيبه في 19 فبراير الماضي. طار إلى استراليا، الأخت غير الشقيقة، فأضحى أول رئيس وزراءٍ كندي يلقي خطاباً أمام البرلمان الاسترالي. اعترف باستقلال كوسوفو دون أن يأبه بانتقادات صربيا وتشبيهها لما حصل بمطالبات إقليم كيبيك، الذي يرطن بالفرنسية، بالانفصال عن الوطن الأم.

أما داخلياً، فاحتضن مسلمي بلاده وحضر العام الماضي افتتاح أكبر مسجد في كندا سمي «بيت النور» شيد في مدينة كالغاري التي يوجد فيها منزله الخاص. يعشق هاربر لعبة الهوكي صاحبة الشهرة الأكبر في بلاد الجليد. ولا يكتفي بمتابعتها كهواية، بل وصل تعلقه بها إلى حد تأليفه كتاباً عنها وظهوره في عدد من المقابلات محللاً ومعلقاً خلال البطولات الرياضية!!

ويبدو أن حبه للهوكي سبق حرفيته السياسية فاستلهم من لاعبيها الكيفية التي تسجل فيها الأهداف في مرمى الخصوم والطريقة التي تطرح بواسطتها منافسيك أرضاً دون أن يحتسب البرلمان، أو الحكم خطأً بحقك.

انتصر في انتخابات أكتوبر من العام الماضي التي أقيمت في أوج الأزمة المالية العالمية ليصبح أول سياسيٍ في الدول الكبرى ينجح بامتياز في امتحان مواطنيه. ورغم عدم امتلاكه لشخصية يمكن وصفها ب«الكاريزمية»، إلا أن ستيفن هاربر لا يهتم كثيراً بالأساليب الدعائية الأميركية القادرة على تسويق الفاشلين وجعلهم نجوماً، فهو يدرك أن بلاداً تغطي الثلوج معظم أراضيها على مدار العام ويفضل مواطنيها الألعاب الشتوية ليست بحاجة بطبيعة الحال إلى حرارة رئيس الوزراء لتقودها إلى بر الأمان.

رؤوف بكر