حصد الفيلم السوري «مرة أخرى» جائزة أفضل فيلم عربي وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان دمشق السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته في السابع من الشهر الجاري، والفيلم هو التجربة الأولى في رصيد كاتبه ومخرجه جود سعيد، وقد أُنتج هذا العام بالشراكة ما بين المؤسسة العامة للسينما وشركة سوريا الدولية الخاصة.
تناول الفيلم موضوع العلاقات السورية اللبنانية، ولكن ليس من وجهة النظر السياسية، بل من خلال قصة حب ربطت ما بين جويس اللبنانية ومجد السوري، وجويس (بياريت قطريب) تعمل مديرة في أحد البنوك السورية وهي أرملة شابة، قُتل أبيها، وفقدت زوجها أثناء الحرب الأهلية في لبنان، ومجد قيس الشيخ نجيب مهندس المعلوماتية يعمل في نفس البنك، وهو ابن أحد كبار الضباط السوريين، ممن كانوا متواجدين في لبنان قبل اجتياح بيروت عام 1982.
وسارت الأحداث في خطين متوازيين ينتميان إلى زمنين ومكانين مختلفين، الأول صاغته ذاكرة مجد في لبنان خلال فترة الثمانينات، حيث تجلّت ظروف نشأته الأولى، والده (جوني كوموفيتش) الضابط القوي الشخصية والنزيه الذي فقد زوجته في عملية قنّص، فترعرع وحيده مجد بين رفاقه العسكريين، ومنهم أبي سعيد (عبد اللطيف عبد الحميد) الذي يتحلّى بروح مرحة ومحبة، والصديق ضابط الأمن (عبد الحكيم قطيفان) الذي يتبنى مجد بعد وفاة والده، وينتقل به إلى دمشق، وينفق عليه بسخاء، ويبسط هيمنته على حياته بالكامل، وقبل ذلك يكون مجد الفتى قد أطلق النار على رأسه دون قصد وهو يلعب ببندقية والده، وفقد ذاكرته لمدة ثلاث سنوات.
أما الخط الثاني فقد جرت أحداثه في دمشق، ورسمته تفاصيل العلاقة العاطفية التي نشأت بين مجد وجويس قبيل حرب تموز عام 2006، ومع هذه العلاقة بدأ العاشق بالتحرر من سلطة الضابط الوصي، لينتهي الفيلم بقبلة امتنان تطبعها جويس على شفاه مجد لمساعدته لها في عبور الحدود السورية والاطمئنان على ذويها أثناء الحرب، بعد أن كانت قد قطعت علاقتها به إثر اكتشافها أنه كان يتجسس على محادثاتها مع أختها على شبكة الإنترنت.
وفي تجربته الأولى هذه استطاع المخرج أن يبدي لمسته الخاصة على صعيد بناء الشخصيات وإدارة الممثلين وتسريع إيقاع اللقطات وتشكيل فضاءات جميلة، سرت فيها روح الفكاهة تارة والحس الشعري تارة أخرى، بهدف الوصول إلى مقولة تؤكد أن التقارب بين الشعبين السوري واللبناني ينتجه الحب والتبادل الإنساني، وليس التواجد العسكري والأمني.
في مقابل ذلك كانت ثغرات الفيلم كامنة في بنية السيناريو، فالحوارات المختزلة غلبت عليها الوظيفة الإخبارية دون أية لمسة تأملية خاصة تنتج دلالات موازية للمعنى المباشر، ولعبة التداخل بين زمنين ومكانين مختلفين اعتراها اللبس في الربع الأول من الفيلم، كذلك فإن حشد الكثير من التفاصيل الثانوية دون معالجة درامية دقيقة.
وترك العديد من الأسئلة دون أجوبة من المفترض أن تعمل على تعميق الحالة والمقولة المقترحة، من مثال من قتل والد جويس، ولماذا؟ وهل انتحر والد مجد استنكارا لوضع ما، أم أنه اعتكف في عزلته حتى وفاته؟ كما أن القبلة الأخيرة حملت الكثير من المباشرة الشعاراتية، مما ترك المعنى العام لمجريات الفيلم يطفو على سطح الواقع، ولا يستطيع التغلغل في الأعماق.
دمشق - تهامة الجندي
