من الصعوبة بمكان أن يتخيل أي منا الشكل الجديد لأي من حكام بلادنا العربية، فمعظمهم يبقى جالسا فوق كرسيه فترة طويلة، إلى أن يأخذ الله وديعته. ولكن الأمر يبدو مفاجئاً في نظر الكثيرين حين اختار العراقيون رئيسا لهم ليس عربيا بل ينتمي إلى ثاني أكبر قومية في البلاد بعد العرب. ويعد واحدا من أبرز الشخصيات الكردية. كما أنه الرئيس الذي لا يمتلك من حطام الدنيا شيئاً، وحتى المنزل الذي يسكنه في بلده، لا يملكه.
ولد جلال طالباني عام 1933 في قرية كلكان التابعة لقضاء كوي سنجاق قرب بحيرة دوكان في محافظة السليمانية شمال العراق. ويعرف في صفوف الأكراد العراقيين باسم «مام جلال» أي «العم جلال» وفقا للغة الكردية، حيث أطلقت عليه التسمية منذ أن كان صغيرا وذلك لذكائه وتصرفه السليم في كثير من المواقف، بحسب آراء الأكراد.و«مام» التي تسبق اسم طالباني فريدة من نوعها ولا تقال لأي شخص، وهي تعني بصورة مباشرة «العم»، لكن يقصد بها في المعنى السياسي «الأب الروحي»، وهي منتشرة في اللغة الكردية التي تكتب بحروف لاتينية وعربية وتضم نحو 18 لهجة مختلفة، وتمثل إحدى فروع اللغة الهندوأوروبية القديمة.
بدأ طالباني مسيرته السياسية مطلع الخمسينات عندما كان في الرابعة عشرة، كعضو مؤسس لاتحاد الطلبة في إقليم كردستان العراق، داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسسه الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني. وبعد أربعة أعوام فقط من انضمامه، اختير طالباني عضوا في اللجنة المركزية للحزب.
التحق بكلية الحقوق عام 1953، ثم خدم في الجيش العراقي كآمر لكتيبة عسكرية مدرعة بعد تخرجه. وواصل مسيرته السياسية في إقليم كردستان إلى أن تولى في أبريل 2006 منصب رئيس الجمهورية العراقية، في سابقة هي الأولى من نوعها، ليكون أول كردي يرتدي العباءة العراقية ويصل إلى سدة الرئاسة في بلاده.
طالباني يعتبره البعض مناضلا سياسياً ومقاتلاً في الجبل، وإضافة لكونه زعيماً لحزب سياسي بارز ورئيساً للجمهورية، فهو أيضاً زميل سابق لنا في المهنة، إذ اعترف خلال أحاديثه بأنه أقرب إلى الصحافة منه السياسة، كما أنه يحلم بإصدار «صحيفة في ظل عراق ديمقراطي».
ومع ذلك، لم تشكل الصحافة في حياته سوى مجرد أمنيات، حيث ترأس بين عامي 1959 و1960 صحيفة كردستان التي كانت تصدر باللغة الكردية في بغداد. كما كانت له كتابات متعددة في صحيفة خابات الكردية أي» الشعب»، وهو من الصحافيين الرواد الذين شكلوا الهيئة الإدارية لأول نقابة صحافيين عراقية ترأسها الشاعر محمد مهدي الجواهري، وقد منح منتصف يونيو الماضي، هدية «الرقيم الذهبي» بمناسبة عيد الصحافة العراقية باعتباره أحد أبرز روادها.
أما حياته الخاصة، فهي بسيطة ومتواضعة وفقا لما أجمع عليه المقربون من حوله، واصفين بيته الذي يقع على سفح جبل ويطل على جزء كبير من مدينة السليمانية، بأنه يجمع بين البساطة والفن، حيث اختارت زوجة الرئيس هيرو خان مجموعة من الأعمال الفنية التشكيلية لتزين بها مسكنهم في بغداد، والذي تعود ملكيته للاتحاد الوطني الكردستاني. وفي معرض سؤاله عن ذلك، يقول طالباني «هذا ليس بيتنا..
ولو تراجع دوائر تسجيل العقاري لن تجد هناك عقار واحد أو قطعة أرض مسجلة باسمي أو باسم زوجتي، نحن نملك شقة واحدة في دمشق اشتريناها عام1975». إنه رئيس لبلد عربي لا يمتلك فيه عقارا أو منزلا، وإنما يقطن في ملكية تعود لحزب سياسي أسسه عام 1975 بعد انشقاقه عن حزبه الأم.
سهير إبراهيم

