للحكاية جذور بعيدة تكاد أن تختفي لغرقها في الزمن، فهي تعود لأصل يزيد على قرن ونصف القرن. حينما كان المارون مختلفين عما نشاهدهم اليوم، وحينما كان المكان مفتوحا يواجه البحر بصمته ويصاحب الليل بسهره ورغم ذلك لم يتوان الزمان عن محاولة هدم شموخه وبعثرة حجارته لتضيع بينها حروف التاريخ، ولكن حجارته أبت أن تغادر مكانها لتحافظ على ما تركه الأجداد من تاريخ وذكرى عطره، ما زالت تجول رائحتها في الطرقات الضيقة.

في ذلك الوقت لم تكن هناك بنايات تناطح بعضها البعض، بل كان المكان ساحة مفتوحة خالية يلتقي فيها التجار والسمار، حينها كانت الطيبة دستور التعامل بين أناس فطروا على الطيبة، أناس يتلمسون هموم وفرح بعضهم البعض. في المكان ذاته لكل مجتهد نصيب عندما تحط السفن رحالها وتلقي ما بداخلها على الشط.

لم يعد (سوق العرصة) في الشارقة وهو من أقدم الأسواق الشعبية في الدولة، ظاهرا اليوم كما في السابق، فقد خبأته الإنشاءات الحديثة والمحال التجارية التي لكثرتها تكاد أن تغطي الشمس، ولكنه لم يغب عن ذاكرة الحاضرين فطالما كان مركزا لصناعة الأحداث وتناقل الأخبار، فقد شهد صدور صحيفة (صوت العصافير) التي تعتبر أول صحيفة في الإمارات أصدرها الأديب إبراهيم المدفع حيث كان يعلقها في السوق.

وكان السوق مكانا للاعلان عن القرارات والقوانين التي يصدرها الحاكم، وكانت تبلغ عن طريق (المنادي) الذي بقي حتى ستينات القرن الماضي، ومنه تنتقل الى بقية المناطق التابعة للامارة، وفي الوقت ذاته كان مصدرا لرزق أهالي الشارقة، لكونه كيانا اقتصاديا مهما للإمارة، ولم يقتصر على التجارة وعرض البضائع فقط، فقد كانت تعقد فيه الاتفاقيات بين النواخذة والبحارة في ما يتعلق برحلات الغوص.

ولشدة حبه للتراث أوصى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بترميم المنطقة جميعها، وليعاد افتتاح السوق عام 1995، بعد ترميمها ثم تقسيمها إلى قسم يعنى بالآداب والفنون وآخر يعنى بكل ما يتعلق بالتراث وهكذا تستمر جذور الحكاية منطلقة من العمق.

غسان خروب