صفحات التاريخ الأميركي.. مليئة بتخاريف وأكاذيب وخدع سياسية تستهدف النيل من كل ما هو مناهض للرأسمالية المتوحشة التي وجدت ضالتها على الأرض الأميركية منذ أن ظهر اسم الولايات المتحدة إلى الوجود في القرن الثامن عشر، وعندما نتحدث عن معارك الرأسمالية شد اليسار داخل الولايات المتحدة، تتبادر إلى الأذهان ظاهرة من الظواهر المعادية لآي فكر يساري ظن حماة الرأسمالية أنه قد يترعرع على الأرض الأميركية.

ألا وهي ظاهرة المكارثية التي انتعشت في الخمسينات والي استهدفت كل من يشتبه في أنه أميركي شيوعي. ظاهرة نسبت إلى السناتور الجمهوري المخادع جوزيف مكارثي الذي راح يعلن في بادئ الأمر عن قائمة تضم أسماء 205 من الأميركيين على صلة بالشيوعية ، وقال ان منهم مسؤولين في مواقع قيادية في الخارجية الأميركية.

المهم أن المكارثية سقطت بعد أن أيقن الأميركيون على مستوى مؤسسات صنع القرار تخاريف مكارثي وأكاذيبه.

ما لا يعرفه البعض أنه قبل المكارثية، كانت هناك «التوماسية»..نسبة إلى بارنيل توماس رئيس ما كانت تسمى بلجنة مناهضة الأنشطة المعادية لأميركا والتي شكلها مجلس النواب، هذه اللجنة ظهرت إلى الوجود قبل 62 عاما.

وفي يوم الرابع والعشرين من نوفمبر 1947، اتخذت موقفا صارما ضد المشتبه في أنهم شيوعيون يعملون في صناعة السينما بهوليوود.

موقف لا ينساه التاريخ. فقد صدر في ذلك اليوم قرار من مجلس النواب بناء على توصية اللجنة يدين عشرة من رموز هوليوود بتهمة ازدراء الكونغرس برفضهم التعاون مع اللجنة التوماسية للكشف عن مواقفهم السياسية وما اذا كانوا متورطين في أنشطة شيوعية مناهضة لولايات المتحدة، وكان سؤال اللجنة الحدث سمي في التاريخ بواقعة «هوليود10».وقد نجح الكونغرس من خلال لجنة توماس في التشهير بالعشرة وهم منتجون وكتاب سيناريو ومنتجون .. إلى درجة أن المحكمة العليا الأميركية أيدت قرار الكونغرس بإدانة العشرة بتهمة ازدراء السلطة التشريعية، وبناء عليه صدر حكم بسجنهم لمدة عام.

المثير أن هوليوود في تلك الفترة امتلأت بالعملاء من أهل الفن من الذين تجسسوا وأبلغوا عن زملائهم في المهنة . وكان من بين هؤلاء العملاء الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان الذي كان من القيادات النقابية في هوليوود. ولايفوتنا أن نشير ايضا إلى أن لجنة توماس ، كانت تضم في عضويتها الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون وكان وقتها شابا يافعا من الأعضاء الصاعدين في مجلس النواب. وهذا يعني أن رئيسين أميركيين شاركا في الحرب غير المقنعة ضد الشيوعية داخل الولايات المتحدة.

في ظل هذا الضجيج والتشويش الذي تعرض له بعض صناع السينما الأميركية .. أصدرت هوليوود قائمة سوداء بأسماء فنانين تم حرمانهم من العمل في السينما الأميركية. ولم يكن العديد من نجوم السينما وقتها راضين على لجنة الكونغرس. فقد دافع البعض عن زملائهم ومن بينهم الممثل الاسطوري همفري بوغارت وزوجته لورين باكال وغريجوري بيك وجين كيلي وجيمس ستيوارت وفرانك سناترا وريتا هيوارث وآفا غاردنر وغيرهم.

هؤلاء النجوم نظموا مايشبه المسيرة الشعبية ضد لجنة توماس واستطاعوا أن يقتحموا مبنى الكابيتول هيل للتعبير عن احتجاجهم السلمي واعتبار أن ما فعلته لجنة توماس وصمة عار في تاريخ الحريات الأميركية ومخالف للتعديل الأول للدستور الخاص بحقوق الأميركيين.

بالنسبة للقائمة السوداء فقد ظلت سارية المفعول حتى الستينات. وتسببت في حرمان مواهب فنية من مواصلة مشوارهم في هوليوود .. والسبب توماس وتابعوه من أمثال نيكسون وريغان اللذين حكما أميركا فيما بعد.

حسن صابر