أكد أكاديميون وخبراء أن قضية التركيبة السكانية من أهم التحديات التي تواجه الدولة في سعيها نحو مواصلة مسيرة النهضة والتنمية الشاملة التي تزخر بها على مختلف الأصعدة، مشيرين إلى أن تأسيس لجنة وطنية دائمة للتركيبة السكانية في البلاد تتولى مسؤولية رسم الخطط ووضع السياسات والإستراتيجيات السكانية، يمهد الطريق نحو إيجاد الحلول اللازمة لهذه القضية الهامة.
وأوضحوا أن هناك محاور عديدة ينبغي التركيز عليها في علاج خلل التركيبة السكانية في مقدمتها التركيز على تطوير نظم التعليم في الدولة التي يجب أن ترفد سوق العمل بكافة الكوادر المواطنة التي تحتاجها مختلف قطاعات العمل، وهو الخطوة الأهم نحو رفع نسبة التوطين في المؤسسات المختلفة.كما أكدوا على أهمية دعم الشباب المواطن وتشجيعهم على الزواج المبكر بالإضافة إلى تشجيع المواطنين على العمل في مختلف الوظائف وعدم قصر الأمر على وظائف بعينها، مع إعطاء دور أكبر للمرأة المواطنة في سوق العمل.وتفصيلاً، يؤكد عبد الله الأحمدي مدير إدارة التأمين الصحي أن معضلة التركيبة السكانية من أهم التحديات التي تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة وحكومة وشعباً.
ويتضح ذلك جليا من المبادرات والقرارات والتوجيهات التي تطلقها في كل المناسبات والتي تمس الكيان والهوية الوطنية للدولة ولايزال خطاب وكلمات صاحب السمو رئيس الدولة - حفظة الله- في أذاننا حول مبادرته في هذا الشأن، ولا يخفى على أحد منا هيئة التنمية التي أنشأت لغرض تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية وتغذية سوق العمل بها والمبادرات الأخرى في هذا الشأن كثيرة ومتعددة. مبادرات عديدة ويضيف: لكن إذا نظرنا إلى التركيبة السكانية بنظرة شاملة فإن هناك عدة مبادرات وأدوات يمكن أن تساعد بشكل مباشر في إيجاد الحل للتركيبة السكانية فعلي سبيل المثال فإن علاوة الأبناء التي تمنح للمواطنين العاملين في قطاع الحكومي لو تم زيادتها يمكن أن تشجع على زيادة النسل، وتوفير السكن للشباب دون الانتظار الطويل قد يساعدهم في الزواج المبكر وعدم ربط منح الزواج براتب الشاب المقبل على الزواج.
وكذلك إعطاء منحة الزواج لمن أراد التعدد لأن ذلك يساعد في القضاء على ظاهرة العنوسة، وتوعية الرأي العام بموضوع تعدد الزوجات وتسويق الفكرة بين الجنسين من المواطنين وتشجيع المواطنين للعمل في بعض الوظائف الخدمية في المطارات والفنادق التي تمثل واجهة البلاد إلى جانب الحد من منح الرخص المهنية والتجارية البسيطة مثل صالونات الحلاقة والخياطين والمهن الأخرى التي انتشرت في الدولة دون الحاجة إليها.وحول كيفية تحقيق التوازن والتوافق بين التنمية المستدامة والتركيبة السكانية، يشير الأحمدي إلى أن التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل لأبناء الوطن من الأهداف التي تسعى إليها كل دول العالم وفي أجندة كل الأحزاب السياسية في الدول التي تعمل وفق هذا النظام، ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة من أهم الأهداف التي تسعى إليها قيادتنا الرشيدة هي السهر والعمل على راحة المواطنين وهذه الراحة تأتي عن طريق تحقيق التنمية في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
وأهم تنمية هي تنمية الموارد البشرية المواطنة بحيث يمكن الاعتماد على التقنية الحديثة والأجهزة المتطورة في عملية التطوير والتنمية بدءاً من الاعتماد على العنصر البشرى بشكل متزايد في عملية التنمية وكذلك يمكن التطوير وزيادة التنمية في المجالات التي لا تعتمد على العنصر البشري.
وفي ما يتعلق بتعزيز دور المواطن لإنجاح عمل مجلس التركيبة السكانية، أوضح الأحمدي أنه لابد من تعزيز دور المواطن وإحلاله مكان غير المواطن في مجالات كثيرة، ولا بد من أن يعمل المجلس على زيادة أعداد المواطنين وتشجيعهم على هذه الزيادة وخلق روح الولاء للوطن والأرض فيهم وعدم الاتجار في الوطن مقابل حصوله على قليل من المال مقابل بيع تأشيرة عمل أو الدخول أو بيع رخصة تجارية.
ويشير إلى أن نظام التعليم والجامعات من أهم الروافد التي تدفق الأيدي العاملة لسوق العمل، ولكن نظام التعليم ومخرجات التعليم الجامعي الأساسي لا تلبي احتياجات السوق، كما أن المعاهد والكليات المهنية والصناعية لا تزال محدودة، فكل المهن الصناعية والعاملين في الورش سواء كانت صيانة السيارات أو الأعمال الكهربائية وغيرها من الأعمال هم من الأيدي العاملة الوافدة وللأسف غير المؤهلة بل يأتون ويتعلمون لدينا وعلى حسابنا.
مؤكداً على ضرورة إعادة النظر في المناهج الدراسية على مستوى الثانوية والجامعية واستحداث التخصصات التي تطلبها سوق العمل وإغلاق التخصصات النظرية التي ليست في حاجة للسوق والتركيز على الدراسات والمهن التي يحتاج إليها سوق العمل.
جوهر التنمية
وأكد الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد أن التعليم المتميز هو الجوهر الرئيسي للتنمية الحقيقية ومعالجة الانعكاسات السلبية لقضايا التركيبة السكانية والتطوير الاجتماعي والاقتصادي، مشيرا إلى أن الدولة قطعت شوطا كبيرا في النهوض بالتعليم بشكل عام والتعليم العالي المتميز على وجه الخصوص، مؤكدا حرص قيادات الدولة على رعاية ودعم القطاع التعليمي باعتباره العنصر الأساسي في بناء الإنسان وتأهيله للمشاركة الفاعلة في خطط التنمية.
ويرى مدير جامعة زايد أن معالجة مشكلة التركيبة السكانية سيساهم في دعم هويتنا الوطنية والحفاظ على موروثاتنا وقيمنا التي تعتبر اللبنة الأساسية في انطلاقتنا نحو مواكبة التطور.
مشيراً إلى أن مبادرة الدولة بعلاج خلل التركيبة السكانية من خلال قرار إنشاء المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية سيساهم بشكل كبير في القضاء على صور البطالة المقنعة في مجتمعنا للاستفادة من القوى البشرية المواطنة واستثمارها، كما أنه يشجع على إعادة صياغة مفاهيم العمل والسعي للاستفادة من الكوادر المواطنة التي أحيلت للتقاعد بطرح برامج تدريبية لها لإعادة الاستفادة من طاقاتها الإنتاجية في إطار خبراتهم المتنوعة.
التعليم مطالب بمواكبة التنوع الثقافي
أوضح الدكتور محمد موسى رئيس قسم التربية بجامعة الحصن أن المجتمعات البشرية تختلف عن بعضها البعض وتتنوع فيها الأعراق والأديان وكذلك الثقافات والقيم الاجتماعية. وفي ضوء هذا التعدد العرقي والثقافي والقيمي في جميع دول العالم، أخذت بعض الدول بالفعل تبني بعض الخطوات الإجرائية من أجل مراعاة مبادئ التنوع والتباين داخل مجتمعاتها.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت المحاولات التي تناولت ظاهرة التنوع والتباين في مجال التعليم كجزء من سياسات الإصلاح التعليمي في معظم الدول سواء كان ذلك في مستوى التعليم العام بمراحله المختلفة أو التعليم الجامعي، ومرجع ذلك أن توظيف هذا المدخل بشكل إيجابي سوف يفسح المجال نحو تحقيق المزيد من المساواة في الفرص التعليمية لجميع المتعلمين بصرف النظر عن اختلافاتهم.
وأضاف أنه نظراً لتزايد حدة التنوع والتباين بين الطلبة في المدارس، يصبح من الأهمية بمكان استجابة التعليم بشكل أكثر مما مضى لقضايا التنوع والتباين، والحقيقة أن هذا التنوع ليس له تأثير يذكر على التعليم داخل المدارس الحكومية في دولة الإمارات نظرا لأن الجاليات الأجنبية لها مدارسها الخاصة.
وعليه، يمكن التأكيد على أن الفصول الدراسية بالمدارس الحكومية تتسم بالتجانس بين الطلبة، حيث إن معظمهم مواطنون وعرب ومسلمون. وعلى الرغم من غياب التنوع والتباين العرقي داخل الفصول الدراسة بالدولة، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن هناك تنوعا وتباينا بين الطلبة من حيث انتماء أمهاتهم إلى أصول عربية أو غير عربية.
وأشار إلى أن ندرة المعلومات حول هذا الموضوع تشكل عاملا سلبيا في اكتساب الطلبة للغة العربية، ويؤدي في نفس الوقت إلى وجود نوع آخر من أنواع التباين، وهو التباين اللغوي لدى الطلبة في جميع المراحل الدراسية، كما أن هناك ثمة قضية هامة أخرى تستوجب الاهتمام، في هذا الخصوص، فعلى الرغم من غياب الجماعات العرقية داخل المدارس، إلا أن الطلبة يتعاملون بشكل دائم مع جماعات عرقية وأجنبية أخرى خارج المدارس، مما يؤدي إلى ظهور مشكلات في اكتسابهم للغة العربية.
كما أن ارتفاع أعداد المعلمين والإداريين من غير الإماراتيين يضيف عنصرا آخر من عناصر التنوع والتباين الثقافي واللغوي داخل المدارس الحكومية. فاللغة على سبيل المثال تمثل وسيلة للتعلم وأداة اتصال حيوية داخل حجرات الدراسة. وبذلك، فإنه عندما لا يتمكن المعلم من إجراء اتصال لغوي فعال مع طلبته بطريقة مناسبة، أو العكس، فإن العملية التعليمية برمتها سوف تعاني من العديد من الصعوبات.
ويرى د. موسى أن التعليم بمخرجاته يلعب دوراً كبيراً في علاج مشكلات التركيبة السكانية والتنوع السكاني، ومن الضروري الاهتمام بمخرجاته وتوجيهها بحيث تخدم تلبية احتياجات التنمية في مختلف القطاعات.
مشيرا إلى أننا بحاجة على سبيل المثال لتشجيع العنصر المواطن من الذكور على الالتحاق بالحقل التربوي نظرا لأهمية الدور الذي يلعبه المعلم المواطن في نفوس الطلبة خاصة المواطنين منهم، وأن يتم تحفيزه لهذا التوجه ، كذلك أهمية إعداد المعلم بشكل جيد بحيث يمكنه من خلال العملية التعليمية مواجهة التنوع الموجود في المجتمع، كما من الواجب الاهتمام بتوجيه الطلبة في مراحل تعليمهم المبكر نحو التخصصات الدراسية الهامة التي تتطلبها التنمية المجتمعية.
التعليم المستمر مع الاستعانة بالتقنيات المتطورة اساس التنمية
أكد الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد ضرورة إحداث توازن بين الوفرة المادية التي تنعم بها بلادنا وقلة عدد السكان من خلال التعليم المتميز والمتوافق مع متطلبات سوق العمل واستراتيجية الدولة التنموية وتعزيز عملية الاستثمار لإعداد وتأهيل الموارد البشرية وتشجيع العنصر المواطن على الإقبال على التعليم بمختلف التخصصات التي تحتاجها الدولة والاهتمام بالتعليم المستمر إلى جانب الاستعانة بالميكنة الحديثة والتقنيات المتطورة التي تساهم في توفير الأيدي العاملة وإلزام الشركات والمؤسسات بالحد من استخدام العمالة غير الماهرة.
وأوضح أن هناك حاجة ماسة إلى تطوير ثقافة العمل لدى الكوادر المواطنة التي يجب أن تقبل على مختلف المهن خاصة التي لم تكن مقبولة سابقاً والتخلص من بعض العادات وأساليب الحياة القديمة التي تعتمد على استخدام أعداد من الخدم والسائقين وغيرهم للعمل لديهم، مشيرا إلى ضرورة بحث إمكانية توطين أصحاب الكفاءات والخبرات من الجنسيات التي تتشابه معنا ثقافيا واجتماعيا.
ربط الطلبة باحتياجات السوق
أكد الدكتور سعيد الحساني مدير عام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أهمية الخطوة التي اتخذها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإنشاء المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية لما سيكون له من دور في تعزيز دور المواطن في مختلف ميادين العمل وتحفيزه على المشاركة في مسيرة النهضة والتنمية التي تنعم بها الدولة.
وأشار إلى أن مؤسسات التعليم العالي تولي اهتماما كبيراً بربط دراسة الطلبة المواطنين باحتياجات السوق لضمان حصوله على فرصة العمل المناسبة بعد التخرج، وهو ما تجلى من خلال التطوير المستمر للبرامج الدراسية التي تطرحها الجامعات لاسيما الحكومية، وذلك من خلال الدراسة المستمرة التي تقوم بها لسوق العمل لربط البرامج الدراسية بالاحتياجات اللازمة للسوق.
أبوظبي - «البيان»



