ما إن يدخل الزائر المعرض التشكيلي للفنان السوري الشاب وليد المصري الذي نظمته غاليري «أيام» بمقرها في منطقة القوز ويستمر حتى 21 ديسمبر المقبل، حتى يبدأ حواراً داخلياً بينه وبين العنصر الرئيسي للوحات الفنان التي تجاوز عددها 15 عملاً. وما يثير الدهشة أن هذا الحوار مفتوح ومستمر مع عنصر واحد مكرر في جميع الأعمال، وإن كان يختلف من لوحة إلى أخرى. وتتحول الدهشة إلى حالة تساؤل وتعجب عندما يكون الحوار مع عنصر لا ينتمي إلى عالم الأحياء.
إنه «الكرسي»، المختزل في لوحات المصري إلى عدد من الخطوط المتقاطعة، والذي يحمل دلالات وأبعاداً تتجاوز فضاءات اللوحة، ليبني من خلالها كل زائر حواره الخاص النابع من تفاعله مع اللون والرموز التي تخاطبه بصورة شخصية، حيث تأخذ تفاصيل اللوحة المختزلة والمبسطة أهمية في جدلية حوار تأملي داخلي. فللكرسي في عالمنا دلالات لا حدود لها، من الهيمنة إلى جلسة صاخبة، أو حالة من السكينة، أو إلى صحبة إما محببة وإما قسرية، وإلى قراءات مفتوحة.
«البيان» التقت الفنان وليد المصري بهدف التعرف على علاقته الفنية والفكرية مع هذا العنصر، الذي ترجم رؤيته الفنية دون الوقوع في مطب الاستنساخ أو الاجترار. وقال لدى سؤاله عن تلك العلاقة، «للكرسي حضور كبير في حياتنا وإن كنا لا نلحظه. وعلى الرغم من بساطة حضوره، لعب دورا خطيرا في تاريخ الحضارات وحتى يومنا هذا».
وتابع بحماس، «وللفراغ أيضا دور في حياتنا وحضوره يعادل أهمية الكرسي. هذا الفراغ يحمله كل إنسان فينا، ويلونه بعناصره وأدواته الخاصة. وما لوحاتي إلا انعكاس لهذه الحالة الإنسانية. الحالة التي تختلف وتتجدد ولا تشبه إحداها الأخرى، بألوان مستمدة من بيئتنا والتي لم نعد نلحظها لشدة حضورها في حياتنا كلون الأرض والطحالب الصخرية والحمرة الداكنة».
لدى سؤاله عن حالة الإلهام لدى شروعه برسم لوحة جديدة حدثنا قائلا، «يحمل الفنان قبل دخوله مغامرة جديدة مع اللوحة، مخزونه العاطفي والثقافي والمعرفي والأكاديمي.
وأمام فضاء لوحة القماش، يبدأ حوارا بصريا مفرداته أدوات الفن. بالنسبة لي قبل دخولي المغامرة، ارسم «اسكتشات» عديدة على الورق دون تصور مسبق - وأمضي ساعات طويلة في بعض الأحيان، حتى أصل إلى حالة التصعيد التي أشبهها بحالة الملحن الذي يعزف المقامات ليصل إلى حالة الارتجال.
وحينما أصل إلى الحالة التي أخرج فيها من سيطرة العقل أبدأ حواري مع اللوحة بضربة فرشاة. وحينما يتوقف الحوار بيننا، أدرك أن علي ركن العمل إلى حين لإدراكي بأني غير قادر على الإصغاء لم تقوله اللوحة لي، تماما كالجدل بين الزوجين اللذين يتوجب عليهما التوقف حينما يصبح الحوار عقيما.
أعود إلى العمل حينما أصبح قادرا على فهم ما يقوله، فاللوحة لا تحتمل عودة قسرية، وهذا يعني الانتظار إما لساعات وإما لسنوات. أي يمكن للعمل أن يغير الفنان لكنه لا يحتمل تغييره».
دبي ـ رشا المالح
