الرجل الذي يجلس على مكتبه في شارع الشيخ زايد، يأخذ نفسا عميقا من سيجارته، فيما عشرات الموظفين لا يزالوا في الخارج يتناقشون حتى وقت متأخر في شؤون الإعلان. هو الذي دخن في هذا الشارع منذ أكثر من ثلاثة عقود، حين لم يكن البرج الذي يشغل مكتبه طابقه الرابع والعشرين موجودا، وحين لم يكن من وسائل الإعلام إلا نشرة ل«رويترز» و«إذاعة الساحل».

كان على «ايدي»، آنذاك، وهو لم يبلغ الثلاثين، أن يؤمن بأن على كتفيه، كما قلة آخرين، ستنهض صناعة الإعلان في المنطقة، وبأنه سيعيش كل نجاحات الصناعة وإخفاقاتها.. وهكذا فعل ادمون مطران الملقب بإيدي، الذي أسس شركته قبل أكثر من 3 عقود برأسمال 13 ألف دولار، ليدير اليوم شركة لها 10 مكاتب ومردودها 10 ملايين دولار سنويا. «البيان»، في الحلقة الثانية من سلسلة وجوه الإعلام والإعلان بالمنطقة، التقت بإيدي وسلطت الضوء على الوجه الآخر ل« راعي الاعلان» الأول بالمنطقة..

يقتني نسختين من اللوحة التي أحب. النسخة الأولى منها فقد سبقه صديقه إليها، فطلب من الرسام رسم نسخة أخرى له منها. وعندما رحل صديقه، أهدت زوجة الراحل النسخة الأول لإيدي. فعلق الثانية خلفه في مكتب دبي، والأولى خلفه في مكتب بيروت. تخبرنا لوحة محمود صفا بنسختيها عن إحدى هوايات أيدي...طاولة الزهر. هواية يمارسها مع صديقه انطوان شويري ولا يتردد في الاعتراف انه غالبا ما يخسر أمام زهره. ولكن زهر ايدي لم يخنه في مسيرته المهنية التي كان رائدا فيها ولا يزال، وأنصفه في حياته الشخصية مع أولاده الذين كبروا ليصبحوا أفضل مما تمنى، وزوجته،صديقته الأقرب كما يعتبرها.

بدايته المهنية في أواخر الستينات تلميذاً في أميركا، وتنظيفه لواجهات المحلات أثمر عن إحدى أهم وأقوى علاقات الصداقة التي أقامها في حياته. فمعلمه الأول في تلك الحقبة وذاك المكان فارس سعادة، أصبح صديقه حالياً بعد ان علمه كل ما يحتاج عن قيمة العمل.

ومن أميركا وشعره الطويل ومشاركته في مهرجان الوود ستوك والدراسة، إلى الخليج في بداية السبعينات وتحديدا البحرين التي وبعد أشهر من الإقامة فيها الغى فكرة الماجستير والعودة إلى أميركا ليبدأ رحلته في عالم الإعلانات كفاتحة لهذا المجال وبراتب قيمته 800 ليرة لبنانية، كان يرسل منها ما مقداره 500 درهما للأهل في لبنان. ويبقى معه ما يوازي 800 درهم في ذلك الوقت.

أربعة عقود من الابتكار وخلق جسور بين المعلن والمستهلك، جعلت من اسم إيدي مطران وشركاته رقماً صعباً ووجهة موثوق بها. عقود مليئة بالنجاحات والعلاقات الإنسانية التي يعتبرها ايدي اهم من المال والتي يراهن عليها في الأوقات الصعبة والحلوة...عقود نجح خلالها من تقريب المنتج إلى المستهلك من خلال اتباعه لكل ما هو مشروع وأخلاقي.

استطاع خلال تلك السنوات الطويلة ان يخلق شراكات مبنية على الثقة والأمانة والمنفعة المتبادلة،والأزمة المالية العالمية التي أثرت على قطاع الإعلانات وطدت علاقات ادموند مطران بعملائه، ف«الدنيا ليست مجرد أموال». ويعتبر ايدي أخطائه في مجال عمله قليلة ولكنه استطاع استدراكها والتعلم منها فمصطلح ك «على ضمانتي» ليس له مكان في قاموسه الآن بعد أن تكبد خسائر طائلة بعد آخر مرة استخدمه.

حتى الخيانة تعرض لها ايدي ولكنه لا يجد مكانا للانتقام في حساباته« فالرب هو من يأخذ الحق لأصحاب الحق». لذلك فهو لا يندم على أي شيء، وقد استفاد من كل مرحلة من حياته واستخدم عقله وقلبه معاً بنسب متفاوتة حسب الظرف.

ولوالده إبراهيم مطران دور أساسي في حياته. كان خياطا لبدلات صيد في احد أسواق بيروت القديمة، زبائنه من ابرز الزعامات اللبنانية ككميل شمعون والمير مجيد ارسلان وكان يفتخر بتفصيله بدلة لشاه إيران دون لقاه الشاه شخصيا، فقط عبر الصورة.هذا الوالد الذكي وصاحب المزاج المرح علم ابنه أهم ما تعلمه في حياته:«الكلمة التزام..لا تكسرها ولو على قطع رأسك»...يضحك ادموند ويقول:كلفتني غاليا هذه النصيحة، ولم انكس ابدا بأي كلمة وعدت بها، حتى لو لم أتذكرها، افي بها إذا ذكرني بها احد».

يضع ايدي على مكتبه صور يمكن التكهن أنها صور عائلية، ومن ضمنها صورة لامرأة شقراء جميلة ذات نظرة حكيمة يؤكد مضمونها أيدي خلال ذكره لها بأكثر من محطة كجزء أساسي من حياته وك best friend كما يصفها. أنها زوجته ليليان التي تفهمه تماما وتحيطه برعايتها وحبها واهتمامها. حتى انها علمت الطباخين أكلات ادموند المفضلة كالمدفنية مثلا، وان سهى عنها أضافت الباذنجان في المرة الأولى وهو مكون أساسي لهذه الطبخة.

«ليليان تستطيع ان تظهر أفضل ما في داخلي» وهي اول من وجد ان صوته جميل فشجعته على ممارسة الغناء واكتشاف إحدى أحلى هواياته. أغاني الحب هي أغانيه المفضلة، فيغني لفرانك سيناترا ولويس ارمسترونغ في المساحة التي يخطفها من عالم الأعمال وتفاصيلها التي لا تنتهي.

عندما يذكر ايدي أولاده الستة يشمل ضمنهم ابنتي ليليان. وهو حين يتكلم عنهم يشعر بالراحة انه استدرك قبل فوات الأوان انه لم يكن يمضي ما يكفي من الوقت معهم ليعرفهم. فحين كان ابنه الأكبر في الثلاثة عشر من عمره، قال لوالده المستغرب عدم تجاوب ابنه والرد على استفساراته وأسئلته قال له انه لا يستطيع ان يتشارك هذا النوع من الأحاديث معه لأنه بالكاد يعرفه، وكان هذا بمثابة إنذار ونقطة تحول في علاقته مع أولاده جعلته يبتكر أساليب عديدة ليتحايل على الوقت والظروف كي يمضي معهم ما يكفي لبناء جسور وعلاقة أبوية سليمة.

عالم خاص

قداحة وسبحة والده بالإضافة إلى طاولة الزهر هي الأشياء التي قد يصطحبها معه «راعي الإعلانات الأول» بالمنطقة، (كما يلقب البعض إدمون مطران).. إلى يخته ان اجبر على الاختيار. ولكن البيت هو الملاذ أينما كان. هو الوجهة التي سيختارها ليرسو يخته على مرفأها. عالمه الخاص المريح المليء بالتفاصيل الحميمة والشخصية ومقتنياته كالسيارات التسع والقداحات والمائتين عكازة والأيقونات بالإضافة إلى القطع الفضية الصغيرة التي تمثل وسائل السفر كالسيارات والطائرات والدراجات. يحب ايدي قراءة كتب السير الذاتية كسيرة تشي غيفارا وكاسترو.

جائزة العمر

بالرغم من سجل شركاته الحافل بالانتصارات والجوائز، ولكن الجائزة الأخيرة التي حصل عليها في الخامس من نوفمبر الماضي من قبل G` GEMAS Effie MENA Awars هي الأقرب إلى قلبه ويعتبر هذااليوم هو أفضل أيامه المهنية فلقد نالت أعمال ححء OGILVY أربع جوائز وهي ال GEMAS Effie MENA Grand Prix Award .

بالإضافة إلى ثلاث جوائز ذهبية. ولازالت النجاحات المهنية تمد أدى بالسعادة كما كان يحصل في البداية.ويذكر البداية الناجحة له في مكتبه في البحرين والذي فرش مساحة 1000 متر مربع، يتذكر معها وبدمعة والده الراحل الذي لم يقبل ان يفرح لإيدموند قبل ان يتأكد ان هذا الإنجاز بعيد عن الخطيئة والحرام .

في سطور

* من مواليد بيروت العام 1944.

* درس في الولايات المتحدة التسويق والأعمال ويعتبر من عمالقة الإعلانات في السوق الخليجي والعربي.

*بدأ حياته المهنية مع «انترماركتز» في البحرين عام 1973 وأسس فروعها بالسعودية والإمارات، ثم «بيرسون مارتيلير» العالمية بالمنامة وفي 1984 أسس وكالته الخاصة ميماك، واليوم يرأس شركة «ميماك أوغيلفي الخليج وشمال أفريقيا»، كما يرأس الجمعية الشرق أوسطية للإعلانات.

* كان من بين رجال قلة حملوا على عاتقهم تطوير مهنة الإعلانات في الخليج، ودولة الإمارات، بدءا من سبعينيات القرن المنصرم.

*يرأس جمعية النهضة الخيرية التي تهتم بجمع الأموال من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء ويستفيد منها 157 عائلة، وهو يقوم بنفسه بتخصيص يومين في السنة لجمع الأموال من أصدقائه ومعارفه، ومنه، لتوزيعها بنفسه على المحتاجين.

* الحكمة التي يؤمن بها:« تمتع بعقل أسد وقلب دب صغير» .

دبي ـ رولا علي