تبدو الموسيقى العربية في صورتها الحقيقية الصادقة نخبوية، بعيدة عن ذائقة الشعوب وقوائم «التوب تن» التجارية، رغم أنها تعبير صوتي عن ثقافتهم وما يعتمل في صدورهم من فرح وخيبة، ورصد لأمزجتهم التي تتجاذبها هموم السياسة والتعليم والبطالة.

الوجه المُسلي للموسيقى والفن لا يمحوه صدق الأداء ولا جدية المضمون، بل يُكمله ويُخلده، يمكن للمستمع استشعار ثلاثية الصوت والكلمة والأداء عندما تُغني أميمة الخليل تلك اللبنانية الجنوبية التي انخرطت في الغناء مبكراً وهي ابنة الاثني عشر ربيعاً ورافقت مارسيل خليفة منذ قرابة العقدين، كصوت ظل يتردد في مساحات الذاكرة الأكثر هدوءاً، ويعيد ترتيبها منحازةً لغناء أنثوي أصيل يغلفه خفر شرقي.في صوت أميمة الخليل التي لطالما وُصف فنُها بالملتزم خرير مياه، وفي عذوبته ابتهال يُشبه الغناء الديني، يحصن الروح ضد موسيقى صاخبة لا جذور لها. خلال إطلالاتها الغنائية على مسارح عربية عالمية، لا تستغني أميمة عن وصلة غنائية دون موسيقى، يتردد صداها في قلوب الجمهور الذي حضر لترديد أغان مضى عليها وقت.. ولم يلحقها غبار.. فيجدون في ترديدها متعة تشبع الشغف وتروي عناء الحضور.

عُرفت أميمة بعصفور طل من الشباك، وقلت بكتب لك، وأحبك أكثر لمحمود درويش، في موسيقى متجددة، ببصمات مارسيل خليفة. وفي ظل غياب الدعم الإعلامي لطاقات غنائية ملتزمة بموسيقى محترفة، كان لابد من نقلة فنية تبناها زوجها الملحن والموزع الموسيقي هاني سبليني، قفزت بها نحو موسيقى مختلفة تعتمد التوزيع الإلكتروني، ما حدا ببعض النقاد وصفها بالخطوة نحو التجريب، دون البحث عن هوية، هي المعتمدة على مخزون فني تشربته من مدارس فنية عربية وضع أسسها الرحابنة وسيد درويش وعبدالوهاب، لا تشبه التي بدأتها مع مارسيل خليفة، بل تبدو معبرةً عن قضايا جديدة عفوية لا تدعي عبرها المثالية تقدمها بتعبير مختلف». وأهم تلك التجارب «يا سيدي» و«لا تدق».

بالرغم من التزامها بموسيقى جادة، تعتب أميمة على من يجرد الفن من معناه الحقيقي الذي لا بد أن يكون رغم جديته مُسلياً، حتى لا تموت الأغنية، وترفض اليوم الاعتماد على الأغنية الوطنية لتحظى بقبول الجماهير بعد خبرة طويلة، كل ما يهمها أن يكون فنها باللبناني «مرتب». موسيقاها المتجددة تعكس إيمانها بأهمية تجديد التراث وعدم تأطيره، ولا تحبذ تجربة الفيديو كليب.. باعتباره ساحة لتنافس عناصر أخرى غير الصوت والأداء الموسيقي.

أميمة المواطنة تعتبر أن حال الفن العربي في الحضيض، أما الفنانة فترى تجارباً جميلةً وجادةً لا تلقى الدعم، فالزمن ليس زمن نهضة عربية سياسية والفن في الوطن العربي لا محالة متربط بالسياسة، ولا قرار لنهضة فنية في الأفق، هناك فقط محاربة للأشياء المضيئة، بقصد تهميش المواطن وتسخيف عقله لا سيما في الإعلام المرئي، فما يستأثر بالشاشات هو «كاباريه».

أميمة حالة فنية، تذهب وتجيء وتبقى صوتاً في الظل، فالهدف أن تبقى الأغنية.. ويُنسى الفنان، تأكيداً أن للفن وجوه مشرقة .. ولكنها غائبة.

أمل الفلاسي