يستمر مهرجان دبي لمسرح الشباب في فتح نافذة الابداع للهواة من الشباب، داعما ومفسحا المجال للكتابات الاولى والرؤى الاولى، (الطين والزجاج)، عرض مسرحي قدمته فرقة مسرح الشارقة يوم الجمعة الماضي ضمن مسابقة المهرجان من تأليف الشابة فاطمة المزروعي واخراج حمد عبدالرزاق الذي حصد في العام الماضي جائزة الاخراج في المهرجان. فقد احتفى جمهور المهرجان والنقاد بهذا العرض الذي اتكأ على مفردات فرجوية فيها الكثير من التجريب والمغامرة.

وصفق الجمهور بحرارة لهذا المخرج الواعد الذي يخطو برصانة باتجاه الابداع المسرحي..(الطين والزجاج) عرض يعزف على ثنائية الاصالة والتغريب، بيت الطين المكتنز لدلالات الإرث والبرج الزجاجي الذي جاء ليزيح الاول من على الارض، وينصب نفسه سيداً للمكان والزمان، والطين الانسان في مقابل انسان العصر المادي المتخلص من المثاليات والقيم..صرخة جانحة باتجاه التأصيل والتمسك بالهوية والجذور ضمن دلالات استطاع من خلالها المخرج حمد عبدالرزاق ان يعزفها على وتر المسرح الصوتي والفرجة البصرية، المتمثلة في دلالات الازياء والحركة والسينوغرافيا على وجه العموم. لم يكن النص الذي كتبته فاطمة المرزوقي مسعفاً كثيراً لعمل ذهب به المخرج الى فضاء اوسع في الترميز، لكن يحسب للكاتبة اقتناصها لهم بيئي كبير، حينما تطمس الحداثة معالم الاصالة ولا تتكيء عليه، ضمن جدلية الثابت والمتحول، وفي انحياز تام للمتحول على حساب الثابت، حيث تدين الكاتبة تلك الابراج الزجاجية التي جاءت لتزيح بيوت الطين، وهذا في المستوى الاول لقراءات النص، لكن في المستوى الثاني والقابع ما بين السطور، تتجلى تلك الغربة التي تكبل الانسان في مكانه الاصل، حينما يأتي الاغراب.

وحينما تتبدل احوال الناس واخلاقهم واسلوب معاملاتهم لبعضهم البعض..يسأل الطين الزجاج: كم سيعمر برجك هذا؟ يجب الزجاج: ستون عاماً؟ فيرد الطين: انا عمرت بيتي وعاش ألف سنة!.. الاصالة تبقى ولابد من الاصالة، هكذا يحيلنا العرض الى مقولته الاساس.

حمد عبدالرزاق المخرج الذي حقق جائزة الاخراج في العام الماضي، هذا الشاب المنفلت والمتخلص من رواسب واطر كثيرة في التقليد المسرحي، يجمح هذه المرة باتجاه المسرح الصوتي من خلال جوقه توقع مؤثرات العرض بالنقر على مكعبات وصناديق صغيرة، هي ديكورات العرض واكسسوراته، يذكرنا بالمسرحي المصري انتصار عبدالفتاح الذي لا يزال حتى الآن هو ومجموعة من الممثلين يواصل البحث في مشروع لا ينتهي، بحث في استغلال السمعي لكي يعبر ضمن نسيج اللعبة او الفرجة المسرحية لا على هامشها.

في الندوة التطبيقية التي جرت على هامش العرض والتي ادارها الزميل محمد عبدالمقصود، تناولت اصوات نقدية العرض من باب الفرح به كون الفرقة الشابة التي قدمته قاربت اتقانه وحققت فرجة رصينه، وكان هناك فرح بأن يكسر المخرجون الشباب ما تكلس في مسرح الكبار، الذين وقعوا في التكرار والنمطية. تحدث الممثل بلال عبدالله، عن المباشرة في النص، وتنمى لو ان ذلك يزال من العرض، لان باقي الأدوات استطاعت ان توصل المقولة، وتحدث الفنان المسرحي حسن رجب .

حيث أشاد بفريق الممثلين والفنيين ومبديا ملاحظة وجهها للمخرج، حينما اشار الى ان معطيات الفرجة شغلت المخرج عن الممثلين الرئيسيين.كما تحدث المسرحي التونسي ناجي وناس عن اهمية البحث في الفرجة التي اشتغل عليها المخرج، واتقان التوصل عبر فرجة مليئة بالدلالات، وتحدث المخرج المسرحي يحيى الحاج عن اهمية الممثل في العرض المسرحي، مؤكدا على ما قاله حسن رجب في اهمية اعطاء الممثل مزيدا من الاهتمام وان لا تأتي مفردات الفرجة على حسابه في أي حال من الاحوال.

وفي مجمل العموم فقد تحولت الندوة التطبيقية في منصة احتفاء بعرض (الطين والزجاج)، باعتباره عملاً طليعياً يبشر بولادة تيار التجريب في المسرح المحلي.

قام ببطولة الطين والزجاج ثلاثة ممثلينهم: رائد الدالاتي الذي مازال يصر على تألقاته الادائية، و الهام و ناجي جمعة، وجوقة من المؤدين الشباب الذي تألقوا بجانب ابطال العرض. وكان الاشراف العام للفنان التشكيلي الدكتور محمد يوسف، اما الديكورات فقد صممها الفنان عبدالكريم عوض.

دبي - مرعي الحليان