سر من أسرار المسرح هو ذلك المكان المتخيل الذي لا ينضب، تتبدل أحوال الخشبة ذاتها يوميا لتتحول الى امكنة وازمنة وحالات مختلفة، لا تحدها حدود ولا تقف أمامها موانع.
ومنذ انطلاقة مهرجان دبي لمسرح الشباب على خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم، شهد الحضور اليومي تلك التبدلات والتحولات السحرية للمسرح.. يوم اول من امس ، قدم مسرح جمعية شمل للفنون الشعبية العرض الخامس في اطار مسابقة المهرجان من تأليف محمد صالح واخراج عبدالله سعيد الذي يخوض تجربة الاخراج للمرة الاولى، وقامت ببطولة العرض الفنانة فضة، والعرض ينتمي الى فن المونودراما، فن الممثل الواحد هلوسات امرأة عانس، او زوجة مطلقة تعيش وحدها بين جدران بيتها، تبث الحياة في وحدتها عبر اجترار الذكريات، او تلك الهلوسات.
رنين الهاتف لا يهدأ من شخص مجهول يستمر في معاكستها، او هكذا تخيلت، او من زوج لا يحضر لأخذها ليسجنها في هذا البيت، تقدم له فروض الطاعة والولاء، وتؤدي واجباتها المنزلية حتى في احلك الظروف..تتخيله مديوناً ومطارداً، وتتخيله ذلك الحبيب الذي يمطرها بالسعادة.. حياة سقيمة لامرأة وحيدة تتوسل جارتها كي تبقى معها ولو لحظات، جارتها المتخيلة. لتنتهي في النهاية الى المصير المجهول.. هكذا نسج النص حكايته عبر قلم الكاتب الشاب محمد صالح.
على الصعيد الآخر، دفعت التفسيرات والحلول الاخراجية لتلك الهلوسات المخرج عبدالله سعيد، إلى خلق حكايته والوهم المعشعش في ذلك البيت، عبر فضاء متخلص من الديكورات والاكسسوارات، فلا جدران ولا ادوات منزلية ولا هاتف ولا ابواب ولا شبابيك، وانما قماش ابيض هو اشبه بالكفن، استمرت الشخصية في وضعه قطعة،قطعة حتى كونت حولها ستائر اخذت شكل البيت، رنين هاتف لا ينقطع ورنين جرس الباب المستمر، هكذا استمر المؤثر الصوتي وكأنهما مسماران يدقان في رأس تلك المرأة الضخية، حيث كل شيء موجود وليس هناك شيء.
والامر يبدو كفكرة رائعة لكسر القوالب المسرحية والتخلص من زوائدها ومباشريتها. اما الممثلة فضة والتي حاولت جاهدة ان تصور معاناة تلك المرأة الوحيدة المسكونة بالهواجس فقد استطاعت في لحظات عديدة ان تمتلك زمام السيطرة على مفاصل الفرجة، في عرض الممثل الواحد، الذي يفترض المزيد من التقانة والاستغراق.
قدمت الاصوات التي تداعت في آرائها خلال الندوة التطبيقية للعرض والتي أدارها الصحافي نواف يونس اختلافات عديدة، بين من رأى في العرض مستوى جيداً من التجريب، وبين هنات عرقلت شيئا ما من التلقي لدى جمهور المتفرجين. لكن على اختلاف تلك الآراء وتباينها، يحسب للمخرج عبدالله سعيد مغامرته الجريئة وهو يخطو خطوته الاولى في عالم الاخراج المسرحي باختيار المونودرامية فاتحة تجاربه الاولى.. ويحسب للمؤلف محمد صالح تغلغه في دواخل امرأة، اشتبكت عليها الازمنة والامكنة والشخوص في حياة واحدة لا تحمل قدرة على اتخاذ موقف منها.
دبي- مرعي الحليان
