كان تساقط الثلوج في غير موسمه لمدة 11 ساعة مؤخرا في بكين.. التساقط الأبكر والأغزر منذ سنين طويلة. وكان أيضاً، كما تقول الصين، من صنع الإنسان. فبحلول نهاية شهر أكتوبر الماضي، كانت الأراضي الزراعية الجافة أصلاً في الشمال الصيني تعاني من قحط شديد.
ولذلك، أطلق علماء المناخ في الصين 186 صاروخاً متفجراً محملاً بالمواد الكيماوية لاستمطار السحب وتحفيز تساقط الثلج. وقال زانغ كيانغ، رئيس مكتب تعديل الطقس في بكين في حديثه لوسائل الإعلام يومها «لن نفوت أي فرصة للاستمطار الاصطناعي، لأننا نعاني من جفاف مزمن.»
ولقد قامت الولايات المتحدة أيضاً منذ خمسينيات القرن الماضي بعدة تجارب لاستمطار السحب بطرق مشابهة من أجل زيادة تدفق المياه من جبال سييرا نيفادا في كاليفورنيا، لكن ما زال هناك قدر كبير من الازدراء في الغرب تجاه مثل هذه المحاولات للتحكم بالطقس. فالمواد الكيماوية التي تطلق إلى السماء، عادة ما تكون من الثلج الجاف أو أيوديدات الفضة، يفترض أن تشكل سطحاً يتكثف عليه بخار الماء ليشكل المطر السائل.
لكن ليس هناك إلى الآن دلائل علمية دامغة على فعالية هذه الطريقة، إذ كيف يمكن للعلماء ان يجزموا، في المقام الأول، بأن السماء ما كانت لتمطر من تلقاء نفسها أصلاً بدون الاستمطار الاصطناعي.
لكن مثل هذه الشكوك لم تثن الصين عن إعلان سيادتها على الغيوم، حيث قال المسؤولون أن السماء الزرقاء الصافية التي زينت مواكب الاحتفالات الضخمة بمناسبة الذكرى السنوية الستين للشيوعية الشهر الماضي كانت نتيجة عمل 18 طائرة نفاثة و432 صاروخاً متفجراً أرسلت إلى الأجواء لتفرغ السماء من الأمطار مسبقاً. والعام الماضي أيضاً، أطلقت السلطات هناك أكثر من ألف صاروخ لضمان ليلة صافية خالية من الأمطار خلال حفل إطلاق دورة الألعاب الأولمبية.
وقال سوي ليانجينغ، وهو عالم أرصاد جوية رفيع المستوى في سلاح الطيران الصيني، في حديث مع وكالة الأنباء الصينية بعد موكب احتفالات الشهر الماضي: «قلة هي البلدان التي تستطيع القيام بتعديل المناخ على هذا النطاق الواسع».
وفي الواقع فإن هناك اهتماما عالميا متزايداً بمثل هذه المحاولات للتلاعب بحالة الطقس، وعلى نطاق أوسع من اي وقت مضى.
وسوف تجتمع، الربيع المقبل، مجموعة من أبرز الخبراء التغير المناخي العالميين في كاليفورنيا، من اجل التخطيط لكيفية القيام بهذه العمليات لمجابهة التسخن الأرضي، والبحث في تحديد الجهة الأمثل للإشراف على مثل هذه المساعي.
وبطبيعة الحال فإن الأفكار المطروحة، التي لا يختلف بعضها كثيراً عن تقنية استمطار السحب، وتتطلب إطلاق كميات هائلة من المواد الكيماوية إلى الغلاف الجوي، قد تبدو صعبة التطبيق من الناحية العملية، ومع ذلك فإنها تشق طريقها بسرعة إلى رأس أجندة المؤتمر، وذلك بسبب التشاؤم المتزايد بشأن مجرى التسخن الأرضي. وما يقلق الخبراء الآن هو انفراد بعض الجهات باستخدام تقنيات التعديل المناخي، التي أصبحت تسمى الآن بالهندسة الأرضية، بشكل أحادي، وذلك لسببين.
الأول يتمثل في التأثيرات الجانبية الخطيرة التي قد تنجم عن ذلك، بما في ذلك التأثير بعيد المدى على معدلات سقوط المطر الطبيعية. والثاني أنه حالما تبدأ هذه العملية على نطاق واسع، ربما لن يكون بالإمكان العدول عنها، لأن إيقافها قد يتسبب بتغير مناخي مفاجئ بالغ الخطورة.
ويرى الخبراء أنه لا بد من قانون دولي ضد هندسة التعديل المناخي. لكن الإطار القانوني الوحيد الموجود الآن هو ميثاق التعديل البيئي، الذي أقر عام 1976 لمنع الدول المتحاربة من التلاعب بمناخ بعضها البعض.
لكن فعالية هذا الميثاق لم تختبر على أرض الواقع ولا مرة واحدة، ولا يمكن التعويل عليه، بحسب الخبراء، في منع كارثة عالمية قد تكون أخطر من الاحترار الأرضي إذا مضت بعض الأطراف بشكل انفرادي في استخدام تقنيات التعديل على المناخي بدون أي رادع.
مخاوف علمية
قذف مركبات الكبريت إلى الغلاف الجوي قد يبطئ دورة المياه على الكوكب ويلحق أضراراً بالغة بأنماط هطول المطر، تتجاوز في خطورتها حتى تأثيرات الاحترار الأرضي، التي يراد تفاديها.
ولأن التقنيات التي تركز على حجب أشعة الشمس عن الأرض، لا تفعل شيئاً لمنع التلوث الناجم عن انبعاثات ثاني اكسيد الكربون من السيارات والمصانع ومحطات الطاقة، فإنها بطبيعة الحال لن تستطيع معالجة الكارثة الوشيكة المتمثلة في ارتفاع درجة حمضية المحيطات، نتيجة انحلال الكربون الزائد في ماء البحر.
