دماغ رقمي حيّ يفكر ويحسّ.. هذا هو حلم العالم السويسري هنري ماركرام. فهو يترأس مشروع «الدماغ الأزرق» الذي يهدف إلى رسم خارطة هندسية كاملة للدماغ من أجل تطوير نظام كمبيوتر يستطيع محاكاة العقل البشري.

وسيكون هذا العقل الرقمي قادراً على التفكير والتذكر واتخاذ القرارات ويمكن حتى ضبط إعداداته بحيث يكون أذكى من الإنسان نفسه.

ولأن تصميمه مبني على طريقة عمل العقل الحقيقي، فإنه سيوف يتحدث ويشعر ويصبح واعياً لوجوده ولمحيطه.

وأهم ما في الأمر أن هذا كله ليس مجرد بحث نظري مغرق في التفاؤل، بل مشروع حقيقي على وشك أن يثمر بمعجزة علمية تغير شكل المستقبل. فلقد أعلن ماركرام في مؤتمر «تي إي دي» العالمي في وقت سابق هذه السنة أننا على بعد 10 أعوام فقط عن بناء دماغ افتراضي مكتمل يحاكي العقل البشري.

هذا الهدف ينطوي على قدر كبير من الطموح، فالدماغ البشري فيه حوالي 100 مليار خلية عصبية، ترتبط فيما بينها بترليونات الوصلات.. أي انه أكثر تعقيداً من أية دائرة كهربائية حاسوبية. ولذلك يبدو بناء بصمة رقمية كاملة للدماغ أقرب للمستحيل، وهو ما دفع أحد علماء الأعصاب البارزين إلى التشكيك بجدوى المشروع والحكم عليه مسبقاً بفشل.

لكن مشروع الدماغ الأزرق بدأ يبرهن للمشككين أنهم مخطئون. فالبرنامج الحاسوبي العملاق الذي يتم تطويره، يستطيع منذ الآن محاكاة سلوك «العمود القشري»، الذي يمثل وحدة البناء الرئيسة للقشرة الدماغية الجديدة، وهي الطبقة الخارجة المتغضنة من المادة الرمادية التي تغلف نصفي الكرة المخية. ويقول ماركرام: «العمود القشري هو الجزء الأكثر تعقيداً في المخ. وإذا حلت هذه المشكلة، فإن إنجاز البقية تحصيل حاصل».

ومن الصعب ألا يقتنع المرء بكلمات ماركام التي تفيض بالثقة، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الإنجازات الكبيرة التي حققها على أرض الواقع إلى الآن. فلقد عكف منذ 1994 على جمع البيانات من تجاربه المختبرية، بانتظار اليوم الذي تصبح فيه أجهزة الكمبيوتر قوية ما يكفي لبناء عقل افتراضي قائم على أساس بيولوجي.

وفي المقر الرئيسي للمشروع في «إيكول بوليتكنيك فيدرال» بمدينة لوزان السويسرية، يقوم فريق من 35 باحثاً بدراسات مستفيضة تمحّص في كيفية عمل خلايا الدماغ وداراته الكهربائية. ويقول ماركام» استغرق مني الأمر 15 سنة و15000 تجربة لاستنباط المخطط العصبي الكهربائي التفصيلي لكيفية عمل خلايا العمود القشري. واليوم يستطيع مختبري إنجاز هذه المهمة في شهرين فقط.»

تعتمد الشخصية المميزة لكل خلية عصبية على طريقة ترتيب الأقنية الأيونية في غشائها الخارجي. وتتحكم هذه الأقنية بتدفق الذرات المشحونة كهربائياً أو «الأيونات» من وإلى الخلية، موجدةً بذلك التيارات التي تولد النبض العصبي الكهربائي. ويقول ماركام «هناك حوالي 200 من هذه الأقنية ونحن بحاجة إلى إيجاد نماذج تمثيل رياضي لكل منها».

وعندما يشتغل نظام الدماغ الأزرق على كمبيوتر عملاق، يضم 8192 معالجاً، فإن كل واحد من هذه المعالجات سيتولى حساب الأرقام التي تمثل تلك الأقنية الأيونية، وهي حسابات معقدة جداً لدرجة أن محاكاة خلية عصبية واحدة يتطلب كمبيوتر محمولاً بقوة 700 ميغاهيرتز.

والشكوك لا تتعلق بالجانب العلمي من المشروع بل بالجانب المالي، حيث سيحتاج المشروع على المدى البعيد إلى استثمارات بقيمة مليارات الدولارات لتمويل بناء الكمبيوترات العملاقة فضلاً عن مواصلة الدراسات لجمع البيانات الحقيقية من التجارب المختبرية.

والأخبار السارة هنا هي أن قوة الكمبيوترات السوبر تتضاعف، في المتوسط، ألف مرة كل 10 سنوات، ولهذا السبب يتحدث ماركرام بثقة عن التوصل إلى بناء دماغ بشري افتراض خلال عشر سنوات.

ويقول ماركرام: «هذا الأمر ممكن تقنياً وبيولوجياً خلال عشر سنوات، إذا سارت الأمور على مايرام.»، مشيراً إلى الشكوك في هذا الميدان لا تتعلق بالجانب العلمي من المشروع بل بالجانب المالي، حيث سيحتاج المشروع على المدى البعيد إلى استثمارات بقيمة مليارات الدولارات لتمويل بناء الكمبيوترات العملاقة فضلاً عن مواصلة الدراسات لجمع البيانات الحقيقية من التجارب المختبرية.

وإذا قدر بالفعل النجاح لمشروع الدماغ الأزرق، خلال العقد المقبل، فقد نشهد شكلاً ذكياً جديداً للحياة على الأرض، يطلق شرارة تحول علمي واجتماعي وسيكلولوجي لم يشهد العالم له مثيل. ومن يدري، فربما تبدو المشاكل الأخلاقية التي تثار اليوم حول قضية إجراء التجارب على الحيوانات ضئيلة الأهمية، بالمقارنة مع الجدل الذي قد يثار حول فكرة تعذيب العقل الآلي الواعي الجديد.

في انتظار أسرع كمبيوتر

حتى يتمكن الدماغ الافتراضي من محاكاة نشاط الدماغ البشري، ستكون هناك حاجة إلى كمبيوتر أسرع. ففي عام 2005، عندما استحوذ المختبر الذي يعمل فيه ماركرام على الكمبيوتر العملاق «بلو جين إل» الذي يستطيع القيام بحوالي 23 مليار عملية حسابية في الثانية، كان هذا الكمبيوتر يصنف في الترتيب العاشر في قائمة أقوى انظمة حاسوب في العالم. أما الآن فقد تراجع إلى الترتيب 395.

حيث يحتل الترتيب الأول الآن كمبيوتر آي بي إم الجبار «رودرانر»، حيث يستطيع القيام بـ 7,1 بيتافلوب (ألف تريليون) عملية حسابية بالثانية. وهي قوة تكفي لمحاكاة عمل دماغ فأر بالكامل.

لكن محاكاة الدماغ البشري تحتاج إلى نظام أقوى بألف مرة من «رودبانر»، اسرع كمبيوتر بالعالم حالياً، حتى يصل إلى قوة الدماغ البشري في المعالجة والتي تقدر بـ «كوينتليون» عملية بالثانية. (أي واحد وإلى جانبه 18 صفراً).

إعداد ـ علي محمد