إنك لست بحاجة إلى شهادة جامعية في الهندسة لكي تصمم لعبة أفعوانية، بل إلى شهادة في علم النفس. هذا ما يقوله جون ألان، مصمم الأفعوانيات الشهير، الذي يؤكد أن «العناصر المسرحية التي تدخل في بناء فكرة الأفعوانية لا تقل تطوراً عن أي عمل مسرحي يعرض في بروودواي».

دأب مصممو الأفعوانيات، منذ سنوات، على تسخير كل طاقاتهم الإبداعية للتلاعب بمشاعرنا وتفجير ينابيع أحساسيس المتعة والإثارة في نفوسنا. فالحركة التصاعدية البطيئة، التي تزيد مستويات التشويق في بداية اللعبة، والمنعطفات التي تغمرنا بالدهشة على حين غرة، ثم الاندفاعات الحادة التي تملأ قلوبنا خوفاً وإثارة.. كلها لست سوى جزء من ترسانتهم الضخمة المكرسة لتحقيق ذلك الهدف.

لكن الآن بدأت مساعي الارتقاء بمتعة أو «إثارة» ركوب الأفعوانيات إلى أقصى حدد ممكن تتخذ منحى علمياً. ولقد بدأ العلماء المختصون بكشف النقاب عن أدق تفاصيل وأسرار عامل الإثارة في هذه الألعاب، في سبيل تطوير تصاميم افعوانيات المستقبل على نحو يرفع مستويات الإثارة والمتعة أكثر من أي وقت مضى.

ولقد قام العلماء في جامعة نوتنغهام البريطانية أخيراً بتحويل حديقة ملاهي «ألتون تاورز» في ستافرودشاير إلى مختبر علمي في الهواء الطلق، حيث قاموا بتعليق المجسّات الحساسة وأجهزة القياس الدقيقة على أجسام أكثر من مئة متطوع، بشكل يتيح قياس كل مؤشراتهم الحيوية وحتى النفسية، من معدل نبض قلوبهم إلى أدق حركات العضلات في وجوههم خلال تجربة ركوب الأفعوانيات والألعاب الأخرى في الحديقة. ويتم الآن التمحيص في البيانات، المتمخضة عن تلك الدراسات، للكشف عن ما الذي يستمتع أو لا يستمتع به ركاب اللعبة، حتى في أدق تفاصيل وجزئيات كل مرحلة من اللعبة.

ويقول البروفيسور ستيف بينفورد، رئيس كلية هندسة الكمبيوتر في جامعة نوتنغهام «إذا استطعنا تكوين فهم أفضل لكيفية تفاعل الناس مع الألعاب الحالية، فسوف يمكننا هذا، بطبيعة الحال، من تطوير ألعاب أفضل في المستقبل. وعلى سبيل المثال، سوف نتوصل إلى فهم أدق وأفضل لطبيعة العلاقة بين مرحلة السقوط الاندفاعي ومستويات التوتر والشد العصبي التي تسبقه».

ومن بين المتعاونين مع فريق الأبحاث في نوتنغهام برنارد والكر، الملقب بـ «مهندس الإثارة»، والذي ترك عمله في في مجال تصميم الطائرات العسكرية، وأصبح الآن يكسب رزقه من دراسة وسبر أسرار «الإثارة» وكيف يمكن تضخيمها إلى أقصى حد ممكن في تصميم الأفعوانيات.

في الواقع تبدو النتائج الأولية المنبثقة عن أبحاث ألتون تاورز مثيرة للاهتمام، فقد تبين، بحسب والكر، أن «استجابة نبض القلب أبطأ من مجريات الأحداث السريعة على الأفعوانية. فهناك تأخير بفارق بضع ثواني عن تأثير قوة الجاذبية الناتجة عن التسارع، لذلك لا نرى تأرجحات حادة جداً في معدلات النبض».

أما الاستجابة السريعة الأكثر مواكبة للانعطافات واندفاعات السقوط الحادة على الأفعوانية فتتجلى في درجة الاستجابة الكهربائية للجلد. ويفيد هذا المؤشر، الذي يستخدم غالباً في اختبارات كشف الكذب، في إظهار مستويات القلق لدى الإنسان.

لكن المشكلة الوحيدة في هذا المؤشر القياسي هي أنك قد تقوم تصميم أفعوانية تزيد مستويات استجابة الجلد الكهربائية إلى الحد الأقصى، لكنك لا تعرف ما إذا كانت تلك الاستجابة ناتجة، فعلياً عن مشاعر ممتعة أو عن مشاعر سلبية جداً مثل الرعب. الحلقة المفقودة هنا، كما تبين بعد ذلك، هي الوجه.

فالحركات المجهرية الدقيقة في عضلات الوجه، والتي التقطتها المجسات الحساسة المثبتة على وجهوه المتطوعين، تظهر ما إذا كان الشخص يشعر بالمتعة أو بالرعب، حتى لو حاول إخفاء حقيقة أحاسيسه.

وبينما يمضي العلماء قدماً في مسيرة اكتشاف أسرار عمل الإثارة، ربما تكون حدائق الألعاب على وشك أن تشهد ثورة حقيقية في التصميم والأفكار والأسس النظرية أيضاً. لكن هل سيواصل مصممو الألعاب مساعيهم لتحقيق أرقام قياسية جديدة في كل تصميم جديد؟

يقول والكر إن «أهمية بناء أفعوانيات أعلى وأسرع وأفظع في كل مرة، سوف تتراجع تدريجياً من حيث تأثيرها على حجم المبيعات. وسيصبح التركيز أكثر على التفاصيل الدقيقة في ترتيب تسلسل مراحلها المختلفة.. على نحو أشبه بفن تصميم الرقصات». وذلك فإن الكلمة الفصل في تصميم أفعوانيات المستقبل قد تكون لعلماء النفس لا لخبراء الهندسة.