في فرجة اعتمدت على الغوص في دهاليز نفسية لمصاب بمرض الإيدز في لحظاته الأخيرة يستعيد صوراً من ذاكرته ويتوسل التوبة والخلاص الأخير، عزفت مسرحية «الزلة» على أداء ممثلين اثنين وقدرات أدائية استطاعت أن تتغلغل إلى المشاهدين وتشد حبالها بين ما يحدث على خشبة المسرح وبين التلقي..
«الزلة» من بطولة احمد ناصر وريم الفيصل، وهو رابع عرض في مسابقة الدورة الثالثة من مهرجان دبي لمسرح الشباب، من إنتاج مسرح كلباء الشعبي ومن تأليف الكاتب جمعة علي ومن إخراج الفنان الشاب عبد الرحمن الملا، الذي وفق في اختيار موضوعاته المسرحية واختيار ممثليه واختيار مناخ الفرجة التي أراد لها أن تكون صرخة توعوية لجيل الشباب الذين ينزلقون إلى مستنقع الرذيلة. لم يخل العرض من جمل حوارية مباشرة توجيهية على لسان المريض، وهو يستعيد ملامح الطريق الذي اختطفه من مكانه الآمن المسالم إلى تلك المواخير المظلمة، فعرض «الزلة» نستطيع تصنيفه في إطار المسرح التوعوي، الاجتماعي، التوجيهي الذي ينشد التحذير والإشارة إلى أماكن الخطر. صاغ أحداث النص المسرحي جمعة علي معتمدا على مريض الايدز الذي يعاني العزلة وانكفاء أهله والناس والمجتمع عنه، وحيدا في غرفة زجاجية معزولة، تتخلى فيها الحياة عنه رويدا رويدا، وهو يصرخ في أولئك الذين لا يقبلون غفران زلته..
وهذه إشارة تظهر في بداية العرض وعلى لسان المريض وهو يدفع بالحزن الذي يطحن دواخله على ما آل إليه حاله..
وهي إشارة واعية من المؤلف وهو يسقط هذا الضوء على أسلوب تعامل المجتمع وأفراده مع مرضى الايدز.. تتطور أحداث عرض الزلة بدخول الممرضة التي نكتشف أنها تبدي اهتماما بهذا المريض، لكن صور المخيلة تتداعى واللحظات الأخيرة تنهمر كالمطر، تحضر تلك العشيقة التي تعرف عليها في لحظة نزوة، وتحظر الزوجة البريئة التي أصابها زوجها بهذا المريض اللعين وغادرت الحياة قبله، يزداد تأنيب الضمير والندم وينتهي العرض حينما يتلف الممثل في الملاءة البيضاء لينام بهدوء في حضن الموت.
وعبر مونولوجات وديالوجات من خلال شخصية المريض والشخصيات الثلاث التي تأتي من الذاكرة، الممرضة، العشيقة، الزوجة، يرسل النص خطابه التوعوي والتوجيهي الذي يشرح انزلاق جيل الشباب إلى مستنقعات قاتلة ومنها مستنقعات الرذيلة.. وبمباشرة صريحة وشفافة يبوح النص بالأسرار، شاب متمسك بصلاته ودينه، حريص على الدراسة ينزلق في يوم ما إلى موقع اباحي عبر الانترنت ومنها تكون بوابة الدخول الرئيسية إلى مرض الايدز.
المخرج عبد الرحمن الملا وهو يتصدى لبناء مشهديات هذا العرض لم يبخل بالمزيد من المؤثرات الضوئية والصوتية لتدعيم حالات ممثليه، أما الجمهور فقد تعاطى عاطفيا مع هذا العرض الذي بدا أكثر احتراما ونبلا وهو يتوجه بتلك الرسالة التوعوية.. الملا أيضا كمخرج يأتي إلى مهرجان دبي لمسرح الشباب، فإنه بهذا المجيء يفتح نافذة واسعة لطاقاته ورؤاه الاخراجية التي تبدو ملامحها واضحة..
على الجانب الآخر وخلال الندوة التطبيقية التي عقدت لعرض الزلة وأدارها المسرحي خالد البناي وشارك فيها المؤلف جمعة علي والمخرج عبد الرحمن الملا، لم يتردد المتداخلون في إبداء آرائهم النقدية حول العرض.
فقد أكد المخرج المسرحي محمد العامري على ضرورة ان يستغل الشباب الفرصة التي يتيحها المهرجان للشباب للتباحث في المسرح، وأثنى على الممثلين والعرض. فيما أبدا المخرج حسن رجب ملاحظاته مؤكدا على أهمية الانتقال الدقيق والمدروس بين الحالات الشعورية لدى الممثل.
وأشار نواف الجناحي إلى الالتفات إلى الإرباك الذي لاحظه على أسلوب الاضاءة في العرض، وكذلك المخرج السوداني يحيى الحاج الذي أشاد بأداء الممثلين، لكنه تمنى عليهم دراسة الحالات بشكل دقيق. وبالرغم من ذلك فإن جمهور مهرجان دبي لمسرح الشباب اجمع على ان عرض الزلة واحد من العروض المميزة هذا العام.
دبي ـ مرعي الحليان

