نتعرض في حياتنا إلى كثير من المواقف والحوادث التي تتغير من خلالها حياتنا وتقلبها رأسا على عقب، ومنا من يستوعب الصدمة ويحاول التغلب عليها، ولكن البعض الأخر يسلم بالأمر الواقع، ويحيط نفسه بعزلة تامة تمنعه من العودة إلى الحياة مرة أخرى.
ولكن هذا الأمر بدا مختلفا مع المحامي محمد بركات، رئيس منظمة «معاقون بلا حدود»، والذي بدا قويا واثقا من نفسه ومن قدرته على أحداث التغيير ليس في عالمه فقط وإنما في حياة الآخرين من أبناء شريحته، حيث قادته إعاقته إلى إنشاء منظمة «معاقون بلا حدود»، بهدف التخفيف عن أبناء شريحته، مستفيدا من الثقافة والعلم الذي اكتنزهما أثناء دراسته التي وقف فيها على أعتاب درجة الدكتوراه. وقد يبدو محمد الذي يتحرك باستخدام كرسي خاص من بعيد، انه أصبح عاجزا تماما عن أداء مهمته في الحياة، ولكنه استطاع أن يثبت بإرادته بأنه قادر على صنع التغيير في حياة أبناء شريحته، وليثبت بأن قهر الإعاقة لا يولد إلا من الداخل، لتنشأ إنسانا جديدا قادرا على العطاء رغم صعوبة الحركة.
يحدثنا محمد عن السبب الذي غير حياته وادخلها في أروقة عالم المعاقين في منتصف العقد الماضي، حيث قال: درست الحقوق في الجزائر وتخرجت عام 1984، ومن ثم سافرت إلى اسبانيا لاستكمال الدكتوراه ضمن برنامج مكثف، وتمكنت من إنهاء مواد الدراسة في مدريد، ولكن بسبب بعض الظروف اضطررت إلى العودة للجزائر لأبدأ العمل في المعهد الوطني للموظفين، بعد مرور خمس سنوات على عودتي انتقلت في عام 1992 إلى الأردن لممارسة مهنة المحاماة والتحضير لرسالة الدكتوراه التي كنت قد أنهيت موادها في مدريد. وخلال ذات العام وأثناء توجهي إلى مطار الملكة علياء لاستقبال أخي القادم من اسبانيا، انفجر معي احد إطارات السيارة، افقدني السيطرة على السيارة، وهو ما أدى إلى إصابتي بشلل رباعي مكثت على أثره في المستشفى مدة ستة أشهر لم أتمكن من تجديدها، وهو ما مثل مقدمة لي للعودة إلى فلسطين في بداية العام 1993.
أربع سنوات عزلة
تمكنت إعاقة محمد من إدخاله في عزلة عن العالم نتيجة للصدمة التي أحدثتها له، فقد غيرت حياته كليا، وجعلت منه عاجزا بعد أن كان فتيا قادرا على الحركة والتنقل بسهولة، ولكنها رغم ذلك لم تثن عزيمته، وحول ذلك يقول: لقد شكل الوضع الجديد لي صدمة كبيرة.
حيث غير مجرى حياتي العائلية والاجتماعية والعملية بشكل كامل، وهو ما أدخلني في عزلة طويلة نوعا ما امتدت لأربع سنوات تقريبا، احتضنني خلالها أهلي الذين اضطروا إلى تغيير بعض الأشياء في البيت لتتوافق مع وضعي الجديد، وبلا شك أن هذا الاحتضان قد شجعني على قهر الإعاقة والعودة إلى الحياة بقلب جديد، وخلال هذه الفترة زاد اطلاعي على أوضاع المعاقين ومعاناتهم ليس فقط في فلسطين، وإنما على مستوى العالم، وهو ما دعاني إلى البدء في التفكير بضرورة إيجاد مشروع او إطار يعمل على تحسين أوضاعنا جميعا.
وبدأت هذا النشاط من خلال تأسيس فرع للاتحاد العام للمعاقين في القدس، ومن خلال عملي في الاتحاد واطلاعي على نظامه الداخلي، شعرت بحكم مهنتي الأصلية كمحامي بأنه لا يلبي طموحاتنا كمعاقين، وهو ما القى على عاتقي مسؤولية كبيرة بأن كيف يمكن أن أقدم خدمات متطورة أكثر إلى هذه الشريحة التي يتجاوز عددها 200 ألف معاق في فلسطين فقط.
وكان ذلك الخطوة الأولى نحو تأسيس منظمة خاصة بالمعاقين بمساعدة عدد من أصدقائي من أصحاب الإعاقات المختلفة، وبعد عدة جلسات توافقنا على تأسيس منظمة تحت اسم «معاقون بلا حدود»، بمعنى أن تقديم الخدمات للمعاقين لا تتوقف عند الحدود السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، وان يكون هناك تكاتف بين المعاقين في كل مكان.
ويواصل محمد: استغرق عملنا في هذا المشروع مدة عامين، قمنا خلالها بزيارة عدد من الدول العربية للاطلاع على ظروف المعاقين فيها، إلى جانب تعريف فكرتنا لهم والتي تعمل على توعية المعاق بحقوقه وتقدم له الخدمات التي يحتاجها في مجال الصحة والتعليم والمواصلات والسكن وغيرها إلى جانب توفير الأدوات المساعدة ومن ثم الدفاع عن هذه الحقوق.
رؤية النور
تمكنت منظمة «معاقون بلا حدود» من رؤية النور في عام 2006 بعد تسجيلها في مدريد، وحول ذلك يقول محمد: نتيجة لعدم وجود تجاوب عربي واضح معنا اضطررت إلى الاتصال بأصدقائي المحامين في مدريد، والذين ساعدوني في تسجيل المنظمة هناك لإكسابها الطابع الدولي، إلى جانب تسجيلها في داخل الأراضي الفلسطينية، واستطعنا خلال هذه الفترة البسيطة من تحقيق بعض الأهداف التي نسعى إليها.
حيث تمكنا من حل الكثير من المشكلات التي يعاني منها المعاقين، مثل تقديم خدمات صحية وتعليمية والتي تحتاج لتمويل وإمكانيات تشمل السكن والمواصلات والأدوات المساعدة منها الكراسي المتحركة للإعاقات الحركية، فيما تحتاج الإعاقات البصرية لأدوات بريل التي رغم بساطتها إلا أنها مكلفة وأساسية للمعاق.
كذلك يحتاج عدد من الذين يعانون من إعاقات سمعية جزئية للسماعات، فضلا عن ذلك قمنا بتأمين مقاعد دراسية مجانا لبعض المعاقين في الجامعات الفلسطينية، وكذلك عملنا على توفير التحويلات العلاجية الداخلية وتامين متطلبات العمليات الجراحية لبعض المعاقين.
ويضيف: بعد ثلاث سنوات تقريبا أصبح لدينا وجود فعلي وقوي على الأرض بين المؤسسات الحكومية والأهلية، وتمكنا في الفترة الأخيرة من تطبيق فكرة جديدة طالما طالبنا فيها وهي فكرة تأمين قروض للمعاقين الذين لا يمتلكون شهادات او إمكانية للتوظيف بسبب ظروف إعاقتهم، وهذه الفكرة تشكل كافة الإعاقات السمعية والبصرية والحركية وحتى العقلية.
وقد ساعدتنا في تطبيقها ما قدمه الهلال الأحمر الإماراتي من دعم لهذا البرنامج الذي نعمل عليه بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومؤسسة اقرأ والهلال الأحمر الإماراتي.
فروع مختلفة
ويشير محمد إلى أن إدارة المنظمة تعمل حاليا على تأسيس فرع لها في الأردن ليكون مقدمة للانطلاق إلى بقية الدول العربية، وأكد على سعي المنظمة إلى فتح فرع لها في الدنمرك من خلال احد أعضاء مجلس الأمناء، لان طموح وهدف المنظمة هو خدمة المعاقين في جميع أنحاء العالم دون استثناء.
ويذكر المحامي محمد أن إعاقته زادت من اطلاعه على أوضاع المعاقين وهي ما دعته إلى مضاعفة جهوده لتأمين كل ما يستطيع من خدمات للمعاقين إلى جانب الدفاع عن حقوقهم، حيث أصبح هذا العمل يشكل متعة خاصة لبركات وأصدقائه.
غسان خروب


