بين التلال الناعمة وأمواج المحيط المتدفقة، ولدت في أحد أيام الربيع بالعاصمة الموريتانية نواكشوط المرتمية في أحضان المحيط الأطلسي، والتي لا تكبرها بأكثر من عشر سنوات.. أخذت من البحر عمقه، ومن الصحراء نقاءها واتساع آفاقها وامتداداتها اللامتناهية.
إنها فاطمة بنت مكناس، أو «الناها» كما اشتهرت بعد أن غلب لقبها على اسمها الأصلي، الذي اختاره لها والدها تيمنا باسم سيدة من إحدى الأسر الموريتانية المعروفة، التي تربطها بأسرة والدها علاقات روحية واجتماعية عميقة، وكما تَسمّت باسمها فقد اتخذت أيضا لقبها أو كنيتها الخاصة.كانت الابنة البكر لوالدها حمدي ولد مكناس، أشهر وزير خارجية في موريتانيا منذ استقلالها قبل نصف قرن، وأحد أبرز وزراء الخارجية عربيا وإفريقيا، على مدى نحو عقد من السنوات (69-1978).ولا شك أن «الناها» كانت أهم هدية لوالدها، قبيل تعيينه على رأس الدبلوماسية الموريتانية، التي عرفت في أيامه تألقا وتميزا ما زالت تفتقر إليه حتى الآن.
تنتمي الناها إلى أسرة عريقة من إحدى قبائل بني حسان العربية الموريتانية، ولم تتنكر يوما لانتمائها العربي أو لبيئتها الثقافية الإسلامية وبعدها الإفريقي المكمل والمثري لشخصيتها الوطنية.
بعد حصولها على الثانوية العلمية، التحقت بكلية الطب في إحدى الجامعات المعروفة في العاصمة السنغالية داكار، لكنها ما لبثت أن غيرت اتجاهها، وربما اجتذبتها أضواء «عاصمة النور» باريس، حيث أكملت دراساتها الجامعية والعليا في مجال التسيير المالي، وتدربت فترة في بعض البنوك الفرنسية.
عادت إلى وطنها لتعمل في مجال اختصاصها في القطاع الخاص، لكن مرض والدها ثم رحيله عام 1999، فرض عليها مسارا آخر، ربما لم تفكر فيه من قبل، أو لم تكن تتوقعه بهذه السرعة، على الأقل.
فقد اختيرت لتخلف والدها في رئاسة حزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم»، الذي كان قد أسسه مع مجموعة من رفاقه، قبل خمس سنوات.. لتكون بذلك المرأة «الأولى» التي تتولى رئاسة حزب سياسي في موريتانيا.
ويبدو أن صفة «الأولى» هذه ستلازمها في أكثر من محطة سياسية. فقد أصبحت وزيرة الخارجية الأولى، على المستويين الوطني والعربي، بعد اختيارها لهذا المنصب في أول حكومة يشكلها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، بعد انتخابه لرئاسة الجمهورية في يوليو الماضي.
كما أنها المرأة العربية الأولى التي ترأس وفد بلادها وتلقي كلمتها، من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والستين.
عرفت كيف تتكيف مع واقع سياسي واجتماعي شديد التعقيد والتقييد، وشغلت منصب وزيرة مستشارة بين عامي 2001 و2005، وخاضت التجربة البرلمانية في 2006، حيث انتخبت مع اثنين من أعضاء حزبها في الجمعية الوطنية (البرلمان الموريتاني). خبرت الحياة الزوجية، وعاشت تجربة الأمومة، بعد أن أنجبت ابنها الوحيد من أحد الكتاب والإعلاميين الموريتانيين المعروفين.
ترى أن المرأة الموريتانية أثبتت جدارتها وكفاءتها في مختلف المواقع القيادية، وتطمح لأن تراها رئيسة للوزراء.. فهل تكون هي تلك المرأة؟
عبدالله إسحاق

