كلمة «حيوان» بمشتقاتها الكثيرة، هي لفظ سائد يتردد صداه على آذان الطلبة وجدران الفصول الدراسية.. معلم يعاني من ضغوطات مادية ونفسية لا تتوقف، يدخل إلى الفصل الدراسي ولسانه يلهج بـ «دعاء دخول الفصل الدراسي»، «اللهم يا رب تعدي هالساعة على خير»، وفي الطرف المقابل طالب ينتفض في مراهقته.. ينتقل بها إلى جهات خيالية تباغت الواقع، فيستعرض في حضرة «ربعه» إزعاجاً دون أن يأبه بمعنى التربية والتعليم، وفي لحظة لا يقبل لها عقل، يخرج المعلم أيضاً على خطوط التربية ويفلت لسانه بشتائم لا يمكن أن تبدو مستساغة في ذلك المكان تحديداً.
تلك هي حالة، ربما لا تتكرر في مدارس كثيرة، لكنها موجودة على أرض الواقع، بحسب ما تؤكده أطراف العملية التربوية «المعلم والطالب والمدير».. المشكلة بنظر أقطاب العمل التربوي أن الطالب وخصوصاً ابن المرحلة الإعدادية لا يمكن أن يخرج من ثوبه السلبي وهو في مرحلة مراهقة تبدو غير مضبوطة، وبالتالي أصبح الحمل على المعلم أثقل وأصعب.. ولا أحد غيره يُسأل ويُلام.
قدوة وأجيال
في مثل هذه الحالات، فإن الأولى بالمعلم أن يبرهن على واقعه التربوي، لا أن يتحول إلى طرف سلبي يصرخ ويشتم ويضرب، فيخرج من جلباب قدوته أمام أجيال متعاقبة، فيما المشكلة كما يراها الطرف الآخر أن المعلم أمسى مجرداً من أبسط مقومات الردع أمام الطالب لا سيما الضرب، وبالتالي أضحى اللسان وسيلة ردع لا شعورية يتخذها المعلم لتفريغ حالة احتقان في صدره يتسبب بها طالب لا مبالٍ يجلس في المقاعد الأخيرة داخل الفصل الدراسي.
خليفة السويدي طالب في المرحلة الثانوية أكد أن أغلب جمل الشتم والسب من قبل المعلمين، تنحصر في حدود «الحيوان»، وأن المدرس يجبر أحياناً على التفوه بشتيمة تجاه طالب أو نحو مجموعة الطلاب داخل الفصل، مشيراً إلى أن اللامبالاة غالباً ما تكون من الطلبة، الذين يسمعون ويتجاوزون سريعاً، فيما المشكلة بنظر السويدي أن الشتائم التي يصدرها المعلم غالباً لم تأتِ بنتائج إيجابية، ويكون مردودها سلبياً أكثر لأسباب عديدة.
شتائم صريحة
وفصل السويدي الأسباب بأنها إما تتعلق بطبيعة الشتيمة الصريحة الخاصة أو العامة، أو لكون أن الطالب اعتاد تلك الشتائم ولم يعد يلقي لها بالاً، لافتاً إلى أن أكثر الشتائم التي يواجهها الطلبة تكون في المرحلة الإعدادية، وهي في المعظم تأتي على سياق «يا حيوان» وما ينضوي في سياقها، فيما شتيمة واحدة من الممكن أن تسكت الطلبة لوقت أطول وهي أن يشبه المعلم الطلبة بالبنات، كأن يقول «اسكتوا يا صبايا» أو «مين هالبنت» وما إلى ذلك، لكون أن الطالب يرفض في مخيلته أن يوصف بالأنثى.
أما الشتائم التي تتعلق بالأب والأم، فهي كما يؤكد الطلبة موجودة كذلك في قاموس المعلم الناطق، على نحو «يا بن الستين ألف ...»، و«يا ابن ...»، لكن مثل هذه الشتائم لا توجه إلى طالب بصفة محددة، وتكون عندما لا يمكن للمعلم أن يضبط الطالب المزعج أو المذنب، فيطلقها بشكل عام، حيث أنه من الممكن أن يحتد الطالب ويتصرف بشكل سلبي في حال واجه مثل هذه الشتيمة أمام زملائه.
المربي الفاضل
الطالب مايد محمود رحمة أكد أن المدرس يخرج باتجاه العصبية وما يرافقها من شتائم في حالات يفرضها الطالب نفسه، حيث الإزعاج واللامبالاة من البعض، وخاصة في مرحلة المراهقة، وبالتالي لا يتمالك بعض المدرسين أعصابهم ويتورطون في الشتائم.
مشيراً إلى أن الطالب يتحمل بعض المسؤولية، وفي المقابل فإن المعلم مجبر على تحمل الجزء الأكبر لكونه المربي الفاضل، وتلك صفة منح إياها وكان عليه لزاماً أن يحفظها قولاً وفعلاً، وإلا فهو لن يستحقها.
زميله الطالب مايد أهلي تطرق إلى أمور أخرى إضافية غير أن الطالب يتحمل مسؤولية عصبية المعلم، وهي التي تتعلق بالفراغ الذي يعيشه بعض الطلبة أثناء الدرس، فالمناهج لا تساعد على إيجاد حالة انضباط بين الطلبة.
كما أن طريقة شرح بعض المعلمين تبدو مملة، ولا تلفت انتباه الطلبة، ناهيك عن الكثافة الطلابية داخل الفصول، حيث يصل العدد إلى 30 طالباً في الفصل الواحد، أضف إلى ذلك أن الطلبة في مرحلة المراهقة يجلسون على شكل مجموعات شللية «كل واحد مع ربعه»، وهو ما يعزز ملامح المخالفة والإزعاج والفوضى، من باب «استعراض العضلات».
نقطة ضعف
أما الطالب عبدالله الكعبي فأشار إلى أن الشتائم على اختلاف أشكالها تتسبب في حالة سلبية لدى الطلبة والمجتمع المدرسي، وهي نقطة ضعف في المدرس وليست قوة، حيث إن المعلم يفترض ألا يقارن بالطالب من باب الفعل ورد الفعل، فهو القدوة التربوية الذي من الممكن أن يبتدع وسائل تعامل متنوعة لاحتواء الطالب المشاغب، لا أن يصبح هو الآخر مشاغباً، وتلك نقطة مهمة لا بد من الالتفات إليها في المجتمع المدرسي.
زميله الطالب سعود عبدالعزير الهاجري رأى أن الطالب هو الذي يتسبب في كثير من المشكلات، وهو الذي يضع المعلم في خانة الضعف نتيجة إجباره على الشتيمة، حيث إن الطالب في الغالب «يسمع ويطنش»، لكن المعلم يقع في دائرة الخطأ وتأنيب الضمير بسبب شتيمة واحدة يصدرها، لافتاً إلى أن الطالب يتأثر سلبياً بكثير من المتغيرات، منها رفقاء السوء وثقافة البيت أو «الفريج»، وضعف الوازع الديني لديه، وبالتالي يصبح عالة على المدرسة وعلى المعلم بوجه خاص.
الطلبة أجمعوا على أن طريقة التعامل معهم لا بد أن تتغير، بحكم أن متغيرات كثيرة في الحياة اختلفت، حيث إن بعض المعلمين من الطراز القديم، وتعزلهم عن أفكار الطالب عشرات السنوات، وهذه الفئة من المعلمين تصدر الشتائم بشكل أكبر، فيما المعلمون الشباب يحافظون على نسبة أقل من حالة التوتر مع الطلبة، وهم الأقرب إلى عقلياتهم والأجدر على التعامل معهم بأسلوب عصري، مؤكدين أن أكثر من نصف المعلمين تتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً.
المدارس تعاقب المعلم «البذيء» ولا تمنحه العذر
في الجانب الآخر، يعترف مديرون ومعلمون أن «الشتيمة» كأداة تعامل لا تزال قائمة داخل الحرم المدرسي، لكنهم يظهرون مواقف متباينة تجاهها، حيث يقول محمد الماس مدير مدرسة المعارف الحكومية، إن المعلم الذي يعاني ضعفاً في الشخصية أو الإدارة الصفية، يلجأ إلى هذا الأسلوب، وذلك التصرف يعتمد على بيئة المعلم وواقعه في المجتمع.
مشيراً إلى أن بعض المعلمين لا يصلحون لمهنة التدريس، وأنه يواجه هذه النماذج في مدرسته ومؤسسات تعليمية أخرى، لكنه يتعامل مع تلك المسائل بحزم، حيث سبق واتخذ إجراءات قانونية تصل لحد النقل ضد معلمين يشتمون ويخرجون من ثوبهم التربوي.
مصطفى كامل المحمد مدير مدرسة المستقبل الخاصة بالشارقة، أكد من جانبه أن المعلم يبقى إنساناً، ومن يستطع ضبط سلوكه في حياته العامة يمكنه فعل ذلك حتماً في المدرسة، مؤكداً أن شتيمة المدرس بحق الطالب تحسب على أنها جريمتان، الأولى لأنها شتيمة والثانية لكونها خارجة من مربٍ تفترض منه القدوة الحسنة.
وأضاف أنه من الممكن أن يخطئ المعلم ويشتم الطلبة نتيجة ظرف معين، وهو كمدير مدرسة يمكن أن يتخذ شتى أشكال العقوبة تجاه ذلك الشخص، إلا أنه يرى أن الإنسان بطبيعته متمرد، وفي حال واجه أسلوباً صارماً من الإدارة فإنه لن يتوقف عن سلوكه السلبي، وسيتمرد في جوانب أخرى، وفي هذه الحالة، فإن العلاج يكون بربط المعلم بالخالق عزوجل، من باب أن تصرّفه لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وليس من القيم الدينية الحميدة، ولا حتى التربوية الأصيلة، حيث من الممكن للإنسان أن يتمرد على إنسان، لكنه بالتأكيد يخشى أن يتمرد على الخالق جل وعلا.
عبدالعزيز المنصوري مشرف إداري في مدرسة حكومية، أوضح أن الشتائم التي من الممكن أن تؤثر في الطالب سلباً هي التي تمس الأهل «الأب والأم»، والمشكلة الأهم أن الطالب وخصوصاً في مرحلة مبكرة لا يمكن أن يزيح من ذاكرته المواقف التي تواجهه في المدرسة، وبالتالي يتأثر سلوكه على المدى البعيد.
محمود مصطفى معلم لغة عربية في مدرسة حكومية، أشار إلى أن نوعية الطلاب الحالية يغلب عليها صفة الجرأة الزائدة، والضرب كوسيلة تأديبية ممنوع، وبالتالي يلجأ بعض المعلمين إلى الرد على جرأة الطالب المذنب باللسان، مضيفاً أنه لا يوافق هذه الوسيلة كأسلوب علاجي، لكونها تسيء إلى العلاقة بين الطالب والمعلم، فيما من الواجب على إدارة المدرسة أو المنطقة التعليمية أن تمنح المعلمين حلولاً أخرى ناجعة تحفظ للمعلم هيبته أمام جرأة الطلبة الزائدة، وفي نفس الوقت تردع الطالب المخالف، وذلك دون المس بكرامته الشخصية.
شخص لا يستحق التعليم
الدكتور أحمد الخياط الخبير التربوي بإدارة الإرشاد الطلابي في وزارة التربية والتعليم، أكد أن واقع «الشتائم» مرفوض جملة وتفصيلاً في أروقة الحرم المدرسي، وأن أي معلم يقع في مثل هذه الأخطاء لا يمكن أن يعذر مهما كانت الأسباب، فالجميع يعمل تحت الضغوط، وعلى العكس من ذلك على المعلم أن يتعامل مع طلبته بأسلوب قيمي راقٍ، والمعلم الذي لا يستطيع ضبط أعصابه لا يستحق التعليم.
وأشار إلى وجود وسائط تربوية من المفترض أن تأخذ بها المدرسة تجنباً للوقوع في أخطاء من جانب المعلم أو الطلبة، منها مجالس الطلبة ومجالس الآباء والمعلمين، التي لا بد أن تعمل إيجاباً في كل مدرسة للقضاء على أية ظواهر سلبية، وليس أخطر من أن يعتاد المعلم شتم طلبته، وإلا كيف يمكن وصفه مربياَ.
دبي ـ عنان كتانة

