ما أن تلج دار المسنين حتى تختلج في دواخلك عظمة الأبوة، ما يهيج مشاعرك وعواطفك فتقف إجلالاً وإكراماً لأولئك الآباء الذين جسدوا ملحمة البقاء والاستمرار وجعلوها دروساً عميقة للأجيال على مر العصور في الصبر والجلد والحكمة والتدبر واستشراف المستقبل، فبين هجير الصحراء وجفافها وبين هياج البحر وهديره استطاع أولئك المسنون أن يقهروا المحال .
وأن يطوعوا الصحراء كي تحتضنهم بيسر، وروضوا البحر وجعلوه وديعاً معطاءً يجود لهم بمكنوناته، وعطروا الماضي بسيرهم الطيبة وبنوا الوطن وقدموا الكثير له، وربوا فلذات أكبادهم على خير ما تكون التربية، فمنهم من يعتلي مناصب عليا ومنهم من يحمل شهادات في مختلف ضروب العلم.أولئك المسنون كافأتهم دار رعاية كبار السن في عجمان بتقديم خدمة الوحدة المتنقلة بالإضافة إلى خدماتها الأخرى الاجتماعية والصحية والعلاج الطبيعي لأكثر من 75 مسنا منذ إنشائها، وهي عبارة عن فريق عمل متخصص يتكون من طبيبة وأخصائية علاج طبيعي وأخصائية اجتماعية وممرضة ومعاونة حيث يقوم هذا الفريق بزيارة كبار السن في منازلهم وتقديم كافة أوجه الرعاية والعناية بهم على أعلى مستوى.
ولقد حظي كبار السن بأهمية خاصة في برامج وزارة الشؤون الاجتماعية وسياستها منذ قيام الاتحاد، حيث كان كبار السن من أوائل الفئات المشمولة بقانون الإعانات الاجتماعية الذي صدر في سنة 1972 أي بعد قيام الاتحاد مباشرة، وهم الآن الأكثر عدداً بين الذين يحصلون على المساعدة الاجتماعية والذين تجاوز عددهم 11 ألف مسن.حيث أكد الشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام في عجمان أن ديننا الحنيف يأمرنا بالإحسان إلى الوالدين والمسنين ورعايتهم ومعاملتهم بالرحمة وتقديم المساعدة لهم، وقال: «إن قيادة الدولة الحكيمة تولي عناية خاصة بالمسنين وتدعو إلى رد الجميل إليهم ورفع قدرهم وذلك من خلال كافة أشكال المساعدات التي تقدم لهم سواء كانت عينية أو مادية، فهم الذين ركبوا موج البحر العارم.
وغاصوا إلى أعماقه، جابوا الصحراء مهتدين بالنجوم في سمائنا الصافية، وزرعوا الأرض، تمسكوا بالإقامة بالوطن عندما كان يعم القحط، ويضن البحر، وحلموا بأن وطنهم سينمو ويكبر، وستكون لوطنهم مكانة كبيرة بين الأمم وقد تحقق الحلم،وهاهم الآن ينعمون كما ننعم، بالعيش جميعا بوطن آمن وفي مجتمع متكاتف ومتماسك».
وأضاف أن هناك توجيهات دائمة من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان وسمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان بمد يد العون للمسنين وتلبية كافة احتياجاتهم وانتهاز المناسبات المختلفة للاحتفاء بهم وحث المواطنين على رعاية المسنين وتربية الصغار والنشء على الخصال والقيم التي تحض على ذلك وغرسها في نفوسهم.
أهمية خاصة
من جانبه أكد عبدالله راشد السويدي المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية أن كبار السن في الدولة يحظون بأهمية خاصة في برامج وزارة الشؤون الاجتماعية وسياستها منذ قيام الاتحاد، وأن الذين يحصلون على المساعدات الاجتماعية منهم بلغ عددهم 11 ألفا وأن المبالغ التي يحصلون عليها هي الأولى من حيث الحجم، إذ تجاوزت الـ 800 مليون درهم أي ما يزيد على 5,34 % من إجمالي المساعدات الاجتماعية المصروفة في العام 2008.
وأوضح أن الدولة تقدم خدماتها للمسنين في مركز رعاية المسنين في عجمان لمن لا عائل لهم من المسنين، لافتا إلى أن الوزارة توجت خدماتها بإطلاق الوحدة المتنقلة لرعاية المسنين في منازلهم بعجمان وتشمل الخدمات الاجتماعية والنفسية والصحية، مبينة أنها بدأت بـ 15 مسناً العام الماضي والآن تجاوزت الـ 75 مسناً.
خدمة جديدة
من جانبها أشارت ليلى الزرعوني مديرة دار رعاية كبار السن بعجمان إلى أنه تم إطلاق خدمة جديدة وهي خدمة الوحدة المتنقلة بالإضافة إلى خدماتها الأخرى وهذه الخدمة عبارة عن فريق عمل متخصص يتكون من طبيبة وأخصائية علاج طبيعي وأخصائية اجتماعية وممرضة ومعاونة حيث يقوم هذا الفريق بزيارة كبار السن في منازلهم وتقديم كافة أوجه الرعاية والعناية بهم على أعلى مستوى، وأكدت الزرعوني أهمية هذه الاحتفالية من خلال تذكير المجتمع المحلي بفئة كبار السن واحتياجاتهم وقضاياهم وتعريفهم بأنشطة وبرامج الدار التي تعدها خصيصا بهذه المناسبة.
تكثيف دورات التوعية لأسر المسنين في الوحدة المتنقلة
تشتمل أهداف الوحدة المتنقلة لرعاية المسنين في عجمان على تقديم مختلف الخدمات النفسية والاجتماعية والصحية التي يحتاجها المسن في منزله وبين أسرته وتدريب أسرة المسن ومساعدتها على رعايته في منزله بأسلوب سليم وتوفير الأجهزة المختلفة التي يحتاجها المسن لتسهيل حركته وإقامته في منزله وتخفيف أعباء رعاية المسن على أسرته وتشجيعها على رعايته والتمسك بوجوده في منزله وتقديم خدمات التوعية والإرشاد والتدريب العملي للأسر حول كيفية العناية بالمسن.
إلا أن ما تقدمه الدولة من خدمات متميزة لكبار السن، لم ولن يكون بديلاً عن الأسرة، التي يقع على عاتقها الدور الأكبر والأهم في رعاية المسن والاهتمام به، فالمسن يظل بالدرجة الأولى والأهم بحاجة إلى تلك الأسرة، يحظى بعطفها وحنانها واهتمامها ورعايتها، ويحتل فيها المكانة التي تليق به، وفي الوقت نفسه يسبغ على تلك الأسرة بأبوته وخبرته ويزودها بثمار معارفه أيا كان نوعها، ومن هنا فإن البرامج المقدمة لكبار السن تأتي دعما لتلك الأسر للارتقاء بالمكانة التي يحتلها المسن في أسرته، ودعما لتلك الأسر لتوفير احتياجات المسن، وحمايته من تعرضه لأي سوء للمعاملة أياً كان نوعها.
فعاليات دورية للمسنين تكفل مشاركتهم في المجتمع
قالت ليلى الزرعوني مديرة دار رعاية كبار السن في عجمان: «إن هناك الكثير من الفعاليات والمشاركات التي نقيمها بصورة دورية للمسنين ونهدف من خلالها لأن نجعل للمسن دوراً يملاً به حياته ويمنحه الإحساس بقيمة وحاجة الآخرين إليه، ويأتي ذلك من خلال سماحنا له بإبداء الرأي والاشتراك في الأنشطة الترفيهية والرياضية والاجتماعية العائلية.
حيث تؤثر هذه الأشياء إيجاباً في حياته على صعيد تغيير نمطه اليومي وتجنيبه الملل، كما أن الحركة التي تتطلبها تلك الأنشطة تحافظ على حيويته، لافتة إلى أن المسنين يعدون فئة مهمة من فئات المجتمع ولا بد من إشعارهم بأن دورهم في الحياة لم ينته ومازالوا قادرين على العطاء وفاعلين ومؤثرين فينا ولا تزال الكلمة كلمتهم والمشورة مشورتهم».
وأضافت أن دار المسنين بعجمان يوجد بها 11 مسناً خصص لهم طبيب مقيم وأخصائي علاج طبيعي وأخصائية اجتماعية وكذلك نفسيه ومشرفة وطاقم تمريض كامل ومعاونين، وتقوم الدار بتوفير العناية الكاملة لهم وتقديم كافة متطلباتهم وذلك برعايتهم وتقديم أفضل الخدمات إليهم، كما تقوم الدار بزيارات اجتماعية وصحية إلى المسنين في ديارهم وتقدم لهم العلاج الطبيعي وذلك بهدف تقليل حالات الإيواء إلى الدار.
دمج المسنين في البرامج الاجتماعية إعلاء لمكانتهم
أكد عبدالله راشد السويدي المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية أن الوزارة تأمل من خلال كل الجهود التي تبذلها أن تحقق دمج المسنين في جميع البرامج الاجتماعية والثقافية، وأن تتيح لهم فرصة المشاركة في مد المجتمع بالخبرات التي يتمتعون بها، فالوزارة لا تنظر إلى المسن على أنه متلقٍ للمساعدة والخدمات فحسب، بل هي تنظر إليه على أنه لا يزال قادراً على العطاء والمساهمة في بناء نهضة الإمارات.
وقد أكدت التجربة العملية أن هذه السياسة الاجتماعية تجاه كبار السن أثمرت نتائج طيبة، وأن كبار السن في الإمارات يحظون بتقدير أفراد أسرهم ورعايتهم، وأن وجود بعض الحالات الشاذة من نكران للجميل لدى بعض الأفراد وهي نادرة، لا تعطي مؤشرا على سوء معاملة توجه لكبار السن، وأن الحالات النادرة تلك تتم معالجتها بطرق إنسانية واجتماعية ترتكز على الموروث الثقافي لمجتمعنا الذي يقوم على إعلاء مكانة كبار السن وتقديرهم وإجلالهم وغالبا ما تنتهي باحتضان الأبناء لآبائهم وتقديم أفضل أوجه الرعاية لهم.
عجمان ـ عصام الدين عوض


