لا تزال قضية الخلل في التركيبة السكانية تهيمن على قمة أولويات الدولة، وذلك لما كان لها من تأثيرات على البنية الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية في الدولة، ورغم أن هذه المعضلة ليست حديثه الولادة إلا أن آثارها بدأت تظهر جلية في اللغة والعادات والهوية الوطنية.
وهو ما أدى إلى إفراز قضية التوطين التي تهدف لإحلال المواطنين في مختلف القطاعات الاقتصادية كمحاولة لإعادة القرار إلى أيديهم، ونتيجة للآثار السلبية التي افرزها خلل التركيبة السكانية، فقد أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قراراً بتشكيل المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، في محاولة لحل الخلل الذي تعاني منه التركيبة السكانية في الدولة.ولذلك وجدنا أنه لزاما علينا إعانة هذا المجلس عبر تقديم جملة من المقترحات التي استقيناها من خلال عدد من المثقفين والخبراء الذين دأبوا على متابعة هذه الظاهرة، حيث بدأنا في حواراتنا مع الدكتورة موزه غباش، رئيسة رواق عوشة بنت حسين التعليمي، التي قالت: «ملامح تشكل ظاهرة التركيبة السكانية بدأت منذ بداية الثمانينات، حيث شهد عقد السبعينيات حركة بناء واسعة في منطقة الخليج.
وهو ما اضطر المسؤولين لاستجلاب العمالة الأجنبية إلى الخليج دون وضع مخططات ومقاييس تنموية محددة لطبيعة التغير التي يجب أن تحدث في منطقة الخليج، خاصة وأن عملية النمو الاقتصادي في تلك الفترة كانت سريعة جداً لخلق البنية التحتية في الدولة، وهو ما أحدث نوعاً من التراجع في الآثار الايجابية لتحل مكانها آثار سلبية على اللغة والهوية نتيجة لدخولها في النسيج الاجتماعي، حيث فرضت مجموعة من اللغات على دولة الإمارات، إلى جانب أن الغالبية العظمى من هذه العمالة مصدرة إلينا للتخفيف من ضغوطاتها على دولها».
وتضيف: «وجود مجلس للتركيبة السكانية، يعني تقييماً متكاملاً لأربعة عقود من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الإمارات، وبالتالي فمهمته لن تكون حصر السكان ومحاولة خلق قاعدة توازن بين المواطن والأجنبي فقط، إنما يجب أن ترتفع أعماله لتشكل تقييماً للحركة الاقتصادية تحديدا خلال الفترة الماضية، وتشكيل هذا المجلس يشير لوصولنا لأعلى مراحل التوجس بالخطر المقبل، وبالتالي وجود رغبة جادة للحل الذي تكون بدايته في تشخيص الظاهرة، وهذا يفرض علينا وضع خطط جديدة تمكننا من اتخاذ قرارات سيادية يتم تطبيقها على مستوى الدولة، بحيث ترفع شعار «لا للعامل الأجنبي إلا بحدود التوازن مع المواطن».
معالم غير واضحة
وحول ما إذا كان التوطين يمثل حلا لهذا الخلل قالت د. غباش: «التوطين غير واضح المعالم رغم تشكيل هيئات تعنى بذلك، وأعتقد أن المجلس سيكتشف أنواعاً من الأفكار التي قدمتها أو عملت عليها هذه الهيئات في مجال التوطين، لأنها تفترض الحصول إلى مواطن مهيأ تدريبياً وعملياً، والمشكلة أن القطاع الخاص لا يزال يعيش في دولة ضمن الدولة».
ورأت د. غباش بأن حل هذه المعضلة يكون بترشيد استقدام العمالة الأجنبية إلا بنسب يحددها المجلس وأن يغلب عليها الطابع العربي، وأن تخضع لبرامج توعوية وتدريبية تنموية تهدف لتعزيز ولائه للدولة، بالإضافة لإخضاع القطاع الخاص لقرار الحكومة، واستخدام خبراء محليين يعملون على إدارة المجلس بعقلية المصلحة الواحدة التي تصب في مصلحة الدولة».
التشجيع على الزواج
في المقابل، قال عبد العزيز مسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة: «التوطين لا يمثل حلاً لخلل التركيبة السكانية إنما هو وسيلة، وبتقديري أن حل التركيبة السكانية يحتاج لآليات أخرى كتسهيل عمليات الزواج للمواطنين بزيادة المخصصات المالية للمواليد الإماراتيين، لأن ذلك سيشجع المواطن على الزواج وزيادة الإنجاب.
وأعتقد أننا في وضع يكون فيه تعدد الزوجات حلاً خاصة وأن هذه الخطوة ستؤتي ثمارها في سنوات قليلة، خاصة وأننا نعيش في فلك قضية شائكة، فنحن نعتبر حاليا أقلية في دولتنا، إلى جانب إيجاد آلية تعالج أوضاع أبناء المواطنات المتزوجات من عرب، بحيث يمكن اكتساب ولائهم للدولة خاصة وأنهم نشأوا على أرض الدولة.
وشدد مسلم على ضرورة صبغ الملامح الإماراتية على مجمل السكان، بحيث يكتسب الجميع الموروث الإماراتي ويتأثروا فيه، وأن يتم تعميمه من خلال الفعاليات الرسمية، مما يعزز من الهوية الوطنية. وأضاف مسلم: «رغم هذا الخلل إلا انه لا يزال بإمكاننا الاستغناء عن الكثير من الوظائف بتفعيل «الميكنة» والاعتماد على التكنولوجيا.
وهذا سيمكننا من الاستغناء عن الصفوف الدنيا من العمالة التي تؤثر على البنية التحتية وترفع من معدلات الجريمة نتيجة لضعف أجورها، والإبقاء على الطبقة العالية منها للاستفادة منها من نواحي الخبرة والاستثمار، بالإضافة إلى سن قوانين تعمل على تنظيم القطاع الاقتصادي، لأن التزاوج بين القرار السياسي والاقتصادي أثر على التركيبة السكانية، وأدى لفتح الباب أمام العمالة دون رقابة».
ويواصل مسلم: «للعملية التعليمية دور مهم في حل الخلل، وإذا أمعنا النظر سنجد لدينا جيوشاً من البطالة المتعلمة التي يمكن إعادة تأهيلها بإخضاعها لبرامج الدبلوم المتخصص تمهيدا لدمجها بسوق العمل، بالإضافة إلى فتح المجال أمام المواطن للعمل المؤقت، وهذا سيغنينا عن الكثير من العمالة التي تشغل حيزا كبيرا لدينا، وأؤكد على ضرورة تشجيع المواطنين للالتحاق بمجالات العمل المختلفة بعد إعادة تأهيلهم».
ويرى مسلم بأن تشكيل لجان تضم شخصيات مواطنة معروفة في مجالات ثقافية وفنية ورياضية واقتصادية، تكون مهمتها حمل رسالة المجلس إلى كافة شرائح المجتمع، وأن تعمل ضمن برنامج عمل واضح تقرره الإدارة العليا للمجلس يهدف لتوعية المجتمع، وأن تقوم بالعمل على تحقيق هدف معين وضمن مراحل محددة سيختصر الزمن، وأكد بأن هذه اللجان أثبتت نجاعتها لاحتفاظها بتأثير قوي على شرائح المجتمع، على أن تقوم برفع توصياتها وتقاريرها للمجلس.
التعريب والتغريب
أما الدكتور عارف الشيخ، فقال: «التركيبة السكانية عبارة عن خليط من المفاهيم التي يدخل في إطارها اللغة والهوية والقيم والعادات وحتى الاقتصاد وغيرها، وإذا أمعنا النظر في جميع هذه المفردات نجد أن بعضها أصبح غائبا عن الساحة المحلية وأبرزها اللغة العربية والتي ينص الدستور على أنها اللغة الرسمية للدولة.
ولكن في ظل الانفتاح والوجود الكثيف للعمالة الأجنبية على ارض الدولة وجدنا أنفسنا أمام لغات متعددة أثرت في مجملها على لغتنا العربية التي تعتبر جزءا من هويتنا الوطنية، إلى جانب ذلك يجب أن ندرك أن خلل التركيبة السكانية يبدأ من البيت والأسرة التي أصبحت تعتمد على موارد بشرية أجنبية أدت إلى خلو البيت من أهله نتيجة لخروج المرأة إلى العمل.
وهو ما أجبرنا على التأقلم مع لغة هذه الشريحة بدلا من حدوث العكس»، ويرى د. الشيخ بأن هذا التغريب انسحب أيضا على المدارس والجامعات، ودعا لضبط مخرجات العملية التعليمية لتتوافق مع استراتيجية الدولة التي تهدف لحل هذه المعضلة، إلى جانب العمل على تعزيز الولاء للوطن والأرض وفرضه على المواطن والمقيم على حد سواء.
ويرى د. الشيخ بأن حل خلل التركيبة السكانية يكمن في جملة من القرارات مثل تعريب الأسواق المحلية، والتقليل من العمالة الوافدة والاتجاه نحو تعريبها، وتحفيز المواطنين على العمل في كافة المجالات حتى يتعود الاعتماد على نفسه، إلى جانب وضع حد للزواج من الأجنبيات خاصة في ظل وجود عدد كبير من العوانس، وتكثيف البرامج التوعوية في كافة المجالات، وإجبار الخدم على تعلم العربية، ومحاولة الاستفادة من الكوادر المواطنة التي عملت على بناء الاتحاد وعدم تهميشها، وقال: «نحتاج إلى تضحيات حقيقية تبدأ من البيت، ولا يجدر بنا أن نفكر دائما براحتنا على حساب الدولة».
رؤية استراتيجية
في المقابل لا يرى نجيب عبد الله الشامسي في مخرجات العملية التعليمية والتوطين حلولاً لخلل التركيبة السكانية، حيث قال: «بتقديري يجب أن نبدأ بإعادة صياغة المنظومة التعليمية، بأن يكون هناك اهتمام بنوعية مخرجاتها على اعتبار أنها أساسية ومحورية في عملية التوطين، وفي ذلك الوقت يمكننا القول بأننا نعمل على توطين حقيقي وليس صوري.
كما يحدث حاليا، لأن هناك الكثير من المواطنين يعانون من التهميش في حين أن الدولة تحتاج إلى خبراتهم، وأعتقد أن التوطين يجب أن يكون في كل عناصر الإنتاج مثل رأس المال والموارد البشرية وغيرها»، وأضاف الشامسي: «لا أتصور بأن التعليم في وضعيته الحالية سيخدم حلول التركيبة السكانية، أو سيحدث التوازن، لأن تمكين الأجنبي في الدولة سريع جدا في ظل الانفتاح وغياب الاستراتيجية الاقتصادية».
وفي إطار رؤيته للحل قال الشامسي: «حتى يكون لدينا حل يجب أن يكون هناك قرارات تعمل على توحيد الإجراءات والاستراتيجيات المتعددة ضمن استراتيجية واحدة تصب في مصلحة الدولة، فنحن بحاجة إلى رؤية استراتيجية واجتماعية واقتصادية واضحة المعالم، على أن يتم ربطها بالتعليم حتى يكون لدينا توطين حقيقي»، ودعا الشامسي إلى ضرورة تنظيم القطاع الاقتصادي لتعديل التركيبة السكانية خاصة وأن القطاع الخاص أجنبي مئة بالمائة حتى في رأس المال وهو ما جعله بيئة طاردة للمواطن، كما دعا إلى الاستفادة من الكفاءات المواطنة وإيجاد آليات تحد من البطالة الموجودة بين المواطنين الشباب مثل إعادة تأهيلها.
وأن تعطى الأولوية للمواطن الخبرة ثم العربي، حيث يمكن استقطاب الخبرات العربية خاصة وأن هناك الكثير منها تبحث عن الأمن والاستقرار المتوفرين في الدولة، كما دعا إلى ضرورة توحيد القوانين على مستوى الاتحاد حتى لا يكون هناك اختراقات، وأخيراً دعا إلى البحث عن المواطنين الموجودين في الخارج والعمل على إعادتهم ومنحهم الجنسية وإكسابهم الولاء للدولة.
غسان خروب

