تسابق التكنولوجيا الحديثة العصر، وتجرنا معها إلى ظواهر اجتماعية وثقافية وحضارية غير تقليدية. «التويتر»، «الفيس بوك»، «اليوتيوب».. والآتي أعظم، وكلما أصبحت التقنية أكثر تقدما، كلما بات المجتمع أكثر.. ماذا؟ تفككا أم انسجاما. هذا ما يختلف عليه الخبراء اليوم، ومن بينهم محمد عايش، الأستاذ في كلية الاتصال، في جامعة الشارقة والإعلامية مريم سالم.
وقد بدأت وسائل الإعلام الحديثة تثير اهتماما واسعا مؤخرا باحتلالها مكانة مرموقة ضمن وسائط الإعلام التي تجذب مئات الملايين من القراء والمشاهدين، فما أن يتم وضع أي مادة إعلامية على مواقع معينة في الانترنت مثل الفيس بوك واليوتيوب والتويتر حتى يتم انتشارها بسرعة كبيرة ويتم تعميمها ونقلها إلى مختلف المواقع الإخبارية والمدونات والمنتديات الإعلامية.
بل إن بعض محطات الأخبار تقوم بإعادة بثها ، ولم يقتصر إنشاء المواقع على الأشخاص بل بادرت بعض الشركات والمؤسسات بإنشاء صفحات لها لأغراض تجارية كما توجد مواقع لمجموعات مؤيدة لأفكار سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو فنية وأدبية، ولمعرفة مدى قوة تأثير هذه الوسائل الإعلامية ومنافستها لوسائل الإعلام التقليدية استطلعنا رأي الدكتور وفي معرض إجابته حول مدى سرعة انتشار هذه الوسائل الإعلامية.
قال الدكتور محمد عايش: تعد الشبكات الاجتماعية social networks على شبكة الإنترنت والتي تشمل منابر للحوار ومنصات لعرض الفيديو مثل «يوتيوب» و«فيس بووك» و«تويتر» من أبرز النتائج العملية لتطور وسائل الاتصال التفاعلية عبر الشبكة العنكبوتية والتي تتيح لأفراد الجمهور المشاركة في الحوارات والنقاشات وتبادل الخبرات والمعارف حول الكثير من القضايا من خلال إنشاء شبكات شخصية افتراضية تشكل معلما من معالم التواصل المعاصر عبر الإنترنت.
تفاعل جماهيري
وتتيح هذه الشبكات للأفراد العاديين من المستخدمين إنتاج محتوى يتاح للجمهور العام للتفاعل معه ويكون بشكل ملفات فيديو أو صوت أو نصوص أو صور أو رسومات متنوعة بات ينافس ما تقدمه وسائل الإعلام التقليدية بمؤسساتها المختلفة. وحول الدور الاجتماعي ومدى تأثيرها أشار الدكتور عايش ان هذه التقنيات الاتصالية تعد من أهم مظاهر التمكين الاجتماعي للأفراد لأنها توفر لهم فرص التعبير التي ربما لا يجدونها في وسائل الإعلام التقليدية الصحفية والإذاعية والتلفزيونية.
كما أن جمهور المستخدمين هو الذي يحدد أجندة هذه المواقع وهو الذي يقرر محتواها وبالتالي فإن تأثيراتها تكون أكثر عمقا وديمومة من تأثيرات الإعلام التقليدي. ولعل المتابع للشأن الإعلامي يدرك أهمية الشبكات الاجتماعية في أوقات الأزمات والصراعات العسكرية مثل الحرب على غزة وأزمة الانتخابات الإيرانية ومشكلة إقليم شينغيانغ في الصين حيث كانت هذه الشبكات بمثابة النافذة التي يطل منها العالم على الآراء ووجهات النظر الأخرى ليتعرف على واقع لا يتاح في وسائل الإعلام العادية.
ونلاحظ أن قدرة هذه الشبكات على اقتحام الفضاء العام قد حولت الفرد العادي إلى صحفي مما أتاح المجال أمام بروز صحافة المواطن Citizen Journalism الذي يحتاج فقط إلى تقنيات بسيطة ليوصل صوته للعالم عبر هذه الشبكات الاجتماعية.
وحول مدى منافسة وسائل الإعلام الحديثة للإعلام التقليدي، وإذا ما سيصبح بديلا عنه في المستقبل قالت الإعلامية مريم سالم إن التنوع الإعلامي في وسائل الاتصال والمتعلق بالمعلومة وبالخبر في وقتنا الراهن مرده إلى ثورة معلوماتية تكنولوجيه ارتبطت بظهور مفاهيم جديدة للتواصل مع الآخر، وكان لا بد من مواكبة حثيثة للوصول إلى اكبر عدد ممكن من المتلقين، والذين يتنوعون في مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية، وأصبح الانترنت يقدم بديلا سريعا لكل ما يتعلق بالتطورات الزمنية على مدار الساعة، وبضغطة زر تجد انك وجها لوجه مع إجابات كثيرة لمختلف تساؤلاتك.
تقنية للجميع
ترى الاعلامية مريم سالم أن هناك بعض الآثار السلبية لانتشار هذه الوسائل الإعلامية في أوساط المجتمع فالعالم الآن يتحدث في خضم انتشار هذه الوسائل إلى موضوع شائك وهام لا يقل أهمية عن الانترنت وتوابعه، والذي يتلخص في عنوان رحب هو «المعلوماتية بعد الانترنت»، لذا فإن الاندماج الذي نراه بين الجمهور في التعاطي مع هذه الوسائل كان حتميا وربما ضروريا لمواكبة الزمن والعصر أما من حيث التأثير.
فإن التأثير على المجتمع دائما هو الذريعة التي تتذرع بها المؤسسات الحكومية للتدخل في تقنين المعلومة ومصادرتها، وسمعنا اتجاه بعض الحكومات لحجب بعض المواقع الفكرية، في حين أنها لم تفعل الشيء نفسه تجاه كثير من المشاهدات الهابطة على الفضائيات، والجميل في التعاطي مع هذه المواقع هو تلك المساحة من الحرية المشروعة التي تسمح للشخص بأن يكون فعالا ومؤثرا .
بل ومبدعا في طرح قيمته الشخصية وتثمينها أمام آلاف بل مئات آلاف من البشر، ولعل انتشار المدونات قد افرز أصواتا كانت تغرد بعيدا عن سربها لأنها لا تجد من يستمع أو يقرأ وظهرت أدوات جديدة في الكتابة، بل ساهمت هذه المدونات في إحداث فرق تجاه بعض قضايا الأمة، ويبقى أن لكل طفرة سلبياتها، ولعل أهم هذه السلبيات هو انسحاب الإنسان من محيطه.
تكنولوجيا ضد الرقابة
أدت التكنولوجيا الحديثة إلى ثورة على مستوى المجتمع، إذ إنها، وكما هي دوما وظيفة التقنية، لعبت دورها في تغيير حياة الأفراد، والارتقاء بقيم إنسانية لديهم مثل الحربة.. وإذا كانت الوسائل التقليدية من صحف ومجلات وقنوات فضائية قد لعبت دورا في السابق، فإن الوسائل الحديثة تضعك في تواصل أسرع عن تلك المطبوعات والتي قد تتطلب جهدا اكبر، وإعدادا زمنيا ضخما، ولعل هذه الثورة التي تسمى بعصر المعلومات لها من التأثير الكثير في حياتنا بشكل عام وفي دقائق يومنا.
واعتقد أن انحسار الطلب على المطبوعات التقليدية قد بدأ بالفعل وبخاصة لدى المتواصلين بشكل كبير مع تكنولوجيا المعلومات، والسؤال الأهم لا يتعلق بدورها المفترض كبديل للوسائل التقليدية، وإنما بمدى فائدتها للجمهور المتلقي، بخاصة وان هذه الوسائل تلعب الآن دورا في تقريب العالم والشعوب من بعضها البعض، وتساهم في رفع مستوى ثقافة الفرد.
وتملي وقت فراغه من خلال اتساع مصادر معلوماته، وفي الوقت نفسه فإنها تمثل وسائل أكثر يسرا وتقاطعا مع الآخر أينما كان، دون مقص الرقيب أو الخوف من الإملاءات الفكرية والأيديولوجية، لذا سيبدو الفرد في تعاطيه مع هذه الوسائل أكثر راحة وانفتاحا، وهذه النتيجة ستجعلها بديلا جيدا للوسائل التقليدية والحكومية.
دبي ـ موسى أبو عيد
