لا تتعلل بطول المسافة، ولا بطول الطريق، فالطرق متصلة متواصلة ومرصوفة، من أقصى مدن وواحات ما بعد العاصمة إلى أقصى القرى الساحلية الساكنة على الخليج وبحر العرب، أو تلك الجبلية المطلة على بحر عمان ومتصلة بجباله، ما عليك سوى أن تجدد العزم وتنوي التوجه إليها.. إلى هناك، ودع الطريق تأخذك فهي يسيرة سلسة.

ثق بها وكفاك تجاهلا أو جهلا بما لديها. كم كنت بعيدا عنها، وكم كنت متبرما من طقسها، لكنك ربما أصدرت حكما مسبقا عليها. هي الكائنة في التاريخ، المحاطة بالصخر الخمري والنخل الجني الباسق منذ الأزل. متأنية في سيرها على أقل من المهل، تتحفظ على تراثها، وتتريث في ارتداء ثوبها العصري، لكنها لا ترفضه. هي خامة من الزمن المعتق بالحكايا والخرافات وأساطير الجنيات، وحوادث المس وأحاديث الأرواح.

لا تزال تحمل نكهة الهواء المبخر باللبان العربي، وروحانية الأماسي حين تقترب من الغروب، وأنت مستقبل بحرها اللازوردي الرائق، ترقب قرص الشمس وهو يحمر قبل أن يغوص في الأفق البعيد. حين هجرتها لم تغضب منك، ولم تعدك بالنكران، بل مدت إليك عيونها الداعية قبل أن تكتحل بالبحر، ثم تزينت بالحناء وكشفت لك غطاءها الأخضر، ومن ثم باحت ببعض أسرارها فرفعت الستائر، وأضاءت المعابر، مغتنمة حضورك العزيز لتهم إليها، قبل الغياب. وتمنحك عصارة تجارب المقاومين والصابرين، وحماة الحصون، كما تمنحك عذوبة الأجواء المرفهة.

كل ذلك فقط لتحظى بك في جوارها، بعيدا عن حياة الضجيج، وصفوف الكائنات البشرية المتمازجة، فهنا تجد مساحات الأزرق في حضرتك وحدك متى شئت، الق عليها تحيتك، وامنحها بعض وقتك وثق بأنها سترد إليك نفسك، وتعيدك إلى صفاء السلام في داخلك، حين تمنح نفسك برهة من التأمل والسكون في رحاب خضرتها خلفك وزرقتها أمامك، وقد هيأتهما فقط لاستجمامك واغتنام إقامتك فيها ولو لليلة، فيها، فهي رأس الخيمة، لكنها ستبقي الخيمة لفصل البرد ستبقيها متاحة لدفئك في كل وقت، أما اليوم فهي تفتح لك جزيرتها الحمراء المدهشة فاغتنمها.

فاطمة محمد الهديدي