ليس لي مؤنس بعد الانتهاء من الواجبات والالتزامات الحياتية اليومية سوى الكتاب، مع مراعاة حمل قلم الرصاص الأصفر بين أصابعي، تحسبا لعبارة أو جملة تستحق التدوين لتسهيل حفظها، وهكذا جرت العادة بالنسبة لي، فلا يمكن أن أستسلم للنوم قبل أن أنهي قراءة جزء في كتاب عدد من الصفحات في مجلة.
كانت ليلة شتائية لكنها لم تكن قارسة البرودة، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين استندت على سطح السرير المحاذي لنافذة غرفتي، كانت الستارة مسدلة، وكنت كعادتي ممسكة بالكتاب وأنا في وضع الجلوس، بينما القلم الأصفر الرصاص متأهب بين أصابعي. كنت أوشك أن أقلب صفحة أنهيت قراءتها حين جفلت لوقع ارتطام بالأرض خلفي مباشرة، مما استدعى فضولي لمعرفة الأمر، وبتلقائية فورية مررت القلم بين ردفتي الستارة، وإذ بهيئة آدمية لرجل يعتلي النافذة قاصدا سطح المنزل.
لم تكن قد انتشرت الهواتف المتحركة في ذلك الوقت بالكثافة اليوم، ومن حسن الحظ أن كان سلك الهاتف الأرضي طويلا، فقمت بإخراجه إلى الصالة ووضعت فوقه الوسادة، ثم اتصلت بأخي في بيته وأخبرته بما رأيت، أول سؤال طرحه إن كنت متأكدة وحين أجبت بالإيجاب طرح سؤاله الثاني إن كنت خائفة، فأجبت بالنفي، ثم أوصاني بألا ابتعد عن الهاتف وانه في الطريق إلينا في الحال. الهم الأكبر كان في إبلاغ الوالدة في غرفتها، فقد كنت أخشى إيقاظها من عمق النوم فتفزع، لكني تسللت إليها وبهدوء بدأت أوقظها وأنا أهمس في أذنها بأن لدينا ضيوف.
وحين بدأت تصحو وضعت يدي على فمي وفمها في وقت واحد، وأنا أخبرها أخي في الطريق لكن لا تقولي شيئا ففي بيتنا لص. وكما توقعت جحظت عينا أمي على اتساعهما، لكني طمأنتها أن الأبواب محكمة الغلق، وما كدت أنتهي حتى وصل أخي، شعرت به تركتها على الفور لأرد على اتصاله. لكن كيف قطع المسافة بين بيته وبيتنا في دقائق تعد على أصابع اليد الواحدة بينما تستغرق أكثر من ذلك بكثير، لكنه وصل بأمان ولله الحمد. استبقاني في الداخل وقام بمسح البيت كاملا فلم يجد شيئا.
وعندها سمح لي بفتح الباب لكني أكدت له إني رأيت الرجل ووصفت له هيئته ولون ثوبه، حيث كان قد اعتلى الجدار، وبقي جذعه من الوسط لقدميه، فخرجت مع أخي أتفحص محيط البيت وبالفعل وجدت الأدلة، فقد استخدم سطلا وضعناه في الخارج ليتمكن من الوصول إلى النافذة، وكان قد ترك نعليه بالقرب من السطل، كان يكفي أخي هذا الدليل لينطلق في أثره، وكان قد تحسب وأبلغ دورية الشرطة قبل وصوله إلينا. لم يمض وقت طويل مجرد نصف ساعة تقريبا مضت.
وأبلغني أخي بإلقاء القبض على اللص، حيث لم يتسن له الابتعاد بعدما فشل في الدخول إلى المنزل عن طريق باب السطح المغلق من الداخل، كان لسرعة التصرف، وسرعة إبلاغ أخي للشرطة دور كبير في إلقاء القبض على اللص، وكانوا قد تأكدوا أنه المتسلل نفسه مما أدليت به من أوصاف تقريبية لهيئته ولون ثوبه. انها تجربة لا تنسى، علما إنني حتى اليوم لا أعرف كيف واتتني الشجاعة لأقوم بذلك، وأظنه الاطمئنان والشعور بالأمان الذي لم يشل تفكيري عن التصرف المناسب. وليحمي الله وطننا الغالي وأهلينا جميعا من كل سيئ ومتربص ومتسلسل. وعاشت العيون الساهرة اليقظة.