يبدو أن سياسة السوق المفتوح قد أتاحت لأصحاب الأعمال والتجار أن يتفننوا في كيفية إدارة أموالهم بطرق مشروعة قانونيا، لكن هذه الطرق في بعض الأحيان قد تحمل في طياتها بعض السلبيات، ففي كل بلاد الدنيا نجد سوقا لبيع الأشياء المستعملة، سواء كانت سيارات أو أثاثاً أو أدوات كهربائية أو أي شيء آخر، نعم، في كل بلد سوق للأشياء المستعملة داخل القطر، لكن أن ينتقل «المستعمل» من بلده ليباع في بلد آخر فهذا هو الجديد، وهذا ما سعينا لإلقاء الضوء عليه في صناعية الشارقة - السوق الأكثر حركة ومحلات تجارية ومبيعات على مستوى الإمارات.
هي مجموعة من المحلات يمتلكها ويديرها أناس من جنسيات مختلفة، ويسيطر عليها في الغالب الأفغانيون والباكستانيون، إلى جانب قلة من الصينيين وجنسيات أخرى، تضم بين أركانها أجهزة إلكترونية، وماكينات خياطة، وماكينات سيارات مفككة، ودراجات هوائية ونارية، تلفزيونات وأجهزة تسجيل، كمبيوترات وسماعات صوت كبيرة وصغيرة، حتى لتظن أن كل ما يخطر ببالك موجود هنا من الإبرة حتى السيارة. هكذا رأينا كل شيء مكدس تحت أطنان من الغبار بانتظار مشترين بالجملة أو بالقطعة، ولكل شيء ثمنه الخاص الذي يخضع للمساومة أيضا. الحق أن المشهد العام «في بعض المحلات»، يحيلنا إلى فكرة أننا وسط مكب للنفايات الإلكترونية الآتية من اليابان وكوريا وبعض دول شرق آسيا، صحيح أن الأسعار لا تقارن أبدا بالجديد من نفس ماركات الأجهزة المعروضة.
لكن تبقى مجموعة من الأسئلة تدور في أذهاننا، ترى هل يحتاج السوق الإماراتي لمثل هذه الأشياء من الخارج؟، خصوصا وأن متوسط دخل الفرد يتيح له شراء الجديد، أو المستعمل محليا على أبسط تقدير، ثم ما الذي يميز هذه السلع حتى يفضلها المستهلك المحلي؟، هل سعرها المنخفض؟، أم الثقة في الاستعمال الجيد للإنسان الياباني أو الكوري؟.هذه الأسئلة والتساؤلات راحت تدور معنا من محل إلى آخر، سألنا واحداً من أصحاب هذه المحلات عن كيفية استيراد هذه الأجهزة وطريقة بيعها، لكنه حاول الهروب بإجاباته دون تقدير منه لدورنا، أو أننا لسنا جهة مساءلة له لكن هيهات، غير أننا خرجنا من إجاباته ببعض المعلومات أهمها أن هذه المحال تمارس نشاطا تجاريا لا شبهة فيه، وهي مرخص لها قانونيا ومستوفية الأوراق من البلدية ودائرة التنمية الاقتصادية.
ويقومون باستيراد كل ما هو مستعمل، ويشترون من دون فحص للأجهزة، وكما يشترونها بالجملة، فهناك بعض المحلات تبيع بالجملة أيضا، سواء لتجار من الدول المجاورة، أو لتجار يملكون محلات في المنطقة الصناعية، وهو يبيع بالقطعة أحيانا لكن دون أن يعطي ضمانا للمشتري، لأنه في الأصل لا يسمح باختبار الأجهزة في محله.
إلى الأسواق المجاورة
نجيب مراد - تاجر من عمان - يتردد باستمرار على محلات الأجهزة والآليات المستعملة في صناعية الشارقة، سألناه عن سبب تشبثه بالشراء من هذه المحلات فقال: نتفق أولاً على أن الأسعار في السوق العماني مرتفعة كثيرا مقارنة بما هو موجود في السوق الإماراتي، وأنا تاجر في بداية الطريق، أعتمد على شراء وبيع الدراجات النارية المستعملة، أشتريها من هنا وأبيعها في عمان.
أما ما يجعلني أتمسك بالسوق الإماراتي، فلكونه سوقا مفتوحا تدخله السلع من دون رسوم جمركية، أما الآليات المستعملة في دول شرق آسيا فهي مغرية سواء من حيث الأسعار أو الجودة، ففي هذه الدول يكون الاستعمال أفضل مما هو عليه الحال في دولنا، خصوصا فيما يتعلق بالسيارات والدراجات النارية التي أتاجر فيها.
وعلى الرغم من ذلك لا يخلو الأمر في بعض الأحيان من وقوعنا في اختيارات غير موفقة، فأنا أفحص بنفسي وأعتمد على خبرتي في الحكم على صوت الموتور، وإذا اكتشفت عطبا فإنني أتحمل مسؤولية إصلاحه، ولكن في كل الأحوال، تظل الآليات والأجهزة اليابانية المستعملة سوقا رائجا نستفيد منه نحن التجار، وأيضا الأشخاص الذين يشترون بالقطعة.
ضالة تجارية
حيدر مجيد - تاجر عراقي - يجد في هذه المحلات ضالته التجارية المربحة، تردد في الحديث قليلا ثم تشجع وقال: الأحداث التي مرت على بلاد الرافدين في السنوات الأخيرة أثرت على آلية العمل في السوق العراقي، وأصبحت التجارة منفتحة نسبيا على السوق الخارجي، ونظرا للحالة الاقتصادية غير المستقرة التي يعيشها الناس هناك، فهذه الأشياء المستعملة تجد طريقها سريعا إلى المستهلك، خصوصا وأن أسعارها في متناول متوسطي الدخل، أما سوق «المستعمل» في الإمارات وخصوصا في الشارقة.
فهو سوق لا يوجد له مثيل في المنطقة، وأظن أن المستفيدين منه كثيرون، سواء داخل الإمارات أو خارجها، كما أنني أرى الإلكترونيات والآليات اليابانية المستعملة بحالة أكثر من جيدة، وهي لا شك تتناسب مع احتياجات قطاع كبير من المستهلكين في المنطقة، وبالنسبة لي فأنا أتاجر في كل شيء يحتاجه السوق هناك، بدءاً من الإلكترونيات البسيطة ومروراً بالتلفزيونات والثلاجات، وانتهاء بالدراجات النارية والسيارات، أما جودة السلع فهي تحتاج إلى عين خبيرة لكي تنتقي الأفضل، لأن الأمر لا يخلو من مشاكل.
من جانب آخر استطلعنا آراء بعض الباحثين عن ضالتهم الإلكترونية في سوق المستعمل، حيث يقول ممدوح محمود: سمعت عن هذا المكان من أصدقائي، وقد نصحوني بأن أشتري منه ما أريده إذا ما نويت شراء المستعمل، ووجهة نظرهم التي بنوها استنادا إلى تجربتهم، أن المستعمل الياباني أفضل بكثير من المستعمل المحلي.
والأهم من ذلك الأسعار التي تنافس جديد الإلكترونيات من الماركات المشهورة بجودتها، وعلى الرغم من أنني جئت لشراء تلفزيون مسطح، إلا أنني مازلت مندهشا مما أراه، وأجد نفسي منساقا لشراء أشياء أخرى لم تكن في حساباتي، فكل شيء موجود هنا، حتى الأشياء التي لم أتوقع أن أراها.
فقد سمعت عن السيارات المستعملة التي تأتي قطعا مفككة، وكذلك الإلكترونيات بأنواعها المختلفة، لكنني لم أسمع عن الدراجات الهوائية والنارية وقد اندهشت من وجودها، كذلك اندهشت من وجود أجهزة الحاسوب وأجهزة الصوت وحتى الآلات الموسيقية المستعملة، ومع ذلك لا أخفيك تخوفي من مدى جودة هذه الأجهزة، وفي الغالب سوف أجرب أولاً التلفاز الذي اشتريته، بعدها يمكنني الحكم على المستعمل الآتي من اليابان.
وجهة نظر
أما عبد الرحمن يوسف فله وجهة نظر مغايرة يختصرها في أنه لا فرق بين مستعمل داخل الدولة وآخر آت من الخارج، وقال مستطردا في هذا الاتجاه: لاشيء يضاهي السلعة الجديدة، سواء في جودتها أو في الإحساس بأنك أول شخص يستعملها، وهذه وحدها لها ثمنها، أنا أتجول بين محلات المستعمل والمحلات التي تبيع الأجهزة الجديدة، وأرى أن الفارق ليس كبيرا في بين الاثنين، لكن الأمر الذي يجب أن نتوقف عنده مليا، هو استفسار «افتراضي» عن ثقتنا في الشخص الذي استعمل ما نشتريه.
وخصوصا الجانب الصحي عنده، فأنا لدي حساسية مفرطة في مثل هذه الأمور، والشيء الآخر أن مجرد رؤية الأجهزة وهي مكدسة بعشوائية لا تختلف كثيرا عن مكب النفايات، يثير التقزز والاشمئزاز خصوصا وأن الأتربة تغطي أماكن التخزين، كما تطال الأجهزة التي من المفترض أن تشتري إحداها، وأظن أن هذا التوجه يخلق نوعا من المنافسة غير المتكافئة مع المحلات التي تبيع الأجهزة الجديدة.
تكدس
أجهزة تحت ركام الغبار بانتظار المشترين
تحتضن محلات بيع الأجهزة المستعملة، العديد من الأجهزة الإلكترونية، وماكينات الخياطة، وماكينات السيارات المفككة، والدراجات الهوائية والنارية، التلفزيونات وأجهزة تسجيل، كمبيوترات وسماعات صوت كبيرة وصغيرة، إجمالا نستطيع أن نجزم بأن كل شيء قد يخطر على بالنا سنجده عند هؤلاء التجار، من الإبرة حتى السيارة. وتتجمع هذه القطع الكثيرة تحت ركام الغبار بانتظار المشترين الذين يجدون في هذه السوق مكاناً أثيراً للبحث عن الجيد والرخيص معاً.
إلا أن هذا الأمر يجد من قبل البعض توجساً وتحسساً من مدى جدوى مثل هذه «النفايات» كما يسميها، ويطرحون استفساراً «افتراضياً» عن مدى الثقة في الشخص الذي استعمل ما نشتريه، وخصوصا الجانب الصحي عنده، ويقول أحد المترددين على السوق من هذه الفئة: «أنا لدي حساسية مفرطة في مثل هذه الأمور.
والشيء الآخر أن مجرد رؤية الأجهزة وهي مكدسة بعشوائية لا تختلف كثيرا عن مكب النفايات، يثير التقزز والاشمئزاز خصوصا وأن الأتربة تغطي أماكن التخزين، كما تطال الأجهزة التي من المفترض أن تشتري إحداها، وأظن أن هذا التوجه يخلق نوعا من المنافسة غير المتكافئة مع المحلات التي تبيع الأجهزة الجديدة». ومع ذلك تبقى هذه الأسواق مثاراً للكثير من التساؤلات المتناقضة.
عز الدين الأسواني


