الثالثة عصراً، والناس في مخادعهم مستسلمين لأوقات القيلولة في يوم صيفي مبتل بالعرق والرطوبة وكأنهم على صفيح ساخن، دق جرس الباب مرة، ثم مرات، نهض متثاقلاً يهش النوم عن عينيه وهو يلعن الطارق في هذا الوقت، لم يكن على موعد مع أحد، ولم يطلب شيئاً من بقال البناية، يعرف تماما أن مندوبي الجهات الخدمية يتركون فواتيرهم وتعليماتهم في شق الباب.
ومنذ أن سافرت أسرته لقضاء العطلة السنوية خارج الدولة وهو في إجازة من المناسبات والزيارات العائلية، فكفاه ذلك فوضى استقبال زوجته لصديقاتها أحيانا في أوقات راحته فتقلق نومه طرقاتهن على الباب، كان خطى خطوات لم يعرف كم استغرقت من الوقت، غير أن جرس الباب تبدل صوته لما يشبه حشرجة من يعاني سكرات الموت، كأنه مل إصرار الطارق على الانتقام منه ومن صاحب البيت.
راح ينادي قبل أن يشرع في فتح الباب، من؟، من الطارق؟. لكنه لم يسمع إجابة، انتبه لملابس النوم على جسده حيث لم يمهله الرنين المتواصل من ستر نفسه، فكر في ذلك إلا أنه أدار مقبض الباب برفق ثم أطل بعنقه من زاوية تتيح له بالكاد التواصل مع الطارق، ذكره ذلك بكيفية فتح النساء للأبواب أمام طارق مجهول وهن مفرطات في الحذر، استفسر للمرة الأخيرة عن هوية من بالباب وهو يداري خجله من نفسه.
جاءه الصوت ناعماً بلغة عربية ركيكة بما معناه إن كان يريد لوازم حاسوب وإكسسوارات تقنية أو أفلام «متنوعة» منسوخة على أقراص ممغنطة، أجاب بالنفي مبدياً بلطف انزعاجه مما حدث، غير أن لطفه جاء بنتيجة عكسية عليه، إذ راحت البائعة تكمل عرض بضاعتها وهي تروج لها بصوت «متماوج» في نبرته وطبقاته. في غفلة منه كان الباب قد انفتح أمام عيني البائعة «المتطفلة»، لم تبد دهشتها أو تخف «عينيها» من ملابس الرجل أمامها، وكأن بيت «العازب» قد أصبح في عينيها ملعبا لبيع «بضاعتها».
طار النوم من عينيه وألفى نفسه مهموماً بعملية إصلاح باب بيته بعد أن صفعه بقوه في وجه البائعة، فقد تبعثرت رتاجات الباب وترهلت حواف جدرانه، وأصبح بحاجة لعملية ترميم ستكلفه مبلغاً ليس بالقليل، لكن الصفعة جاءت بنتائج ممتازة، إذ فرت البائعة تطاردها عبارات التهديد باستدعاء رجال الأمن، غير أن مجموعة من التساؤلات بقيت تدق على رأسه بانتظار إجابات شافية، ترى أين الجهات الرقابية مما يحدث من الباعة المتجولين على بيوت الآمنين؟.
وهل عادت تجارة «الليلام» ثانية في ثوب جديد متماه مع متطلبات العصر الحديث؟، ومن هي الجهة المنوط بها مراقبة هؤلاء، هل هي مخافر الشرطة في وزارة الداخلية؟، أم هي البلديات؟، أم الدوائر الاقتصادية؟، أم هي مسؤولية مشتركة بين الجميع؟
عزالدين الاسواني