مرة أخرى الأمثال تختزل تجارب ودروس تنوء بها الكتب، تلفظها في كلمات معدودة بليغة التعبير غير مباشرة، وبالإضافة إلى قصرها تتميز بعض الأمثال بالسجع، وجرسها الموسيقي الذي يزيد من تداولها ويثبتها في الأذهان، باعتبارها سهلة الحفظ.

يُعبر المثل الشعبي القائل «الاسم شايع والبطن يايع» عن ظاهرة التناقض التي تُصيب بعض الأشخاص، والتناقض هنا يحدث غالباً بين الشكل والمضمون، فيُقال في اللهجة المحلية بأن الاسم «شايع» أي شائع وذائع الصيت، بينما البطن والمراد به الجوهر والمضمون يوصف بأنه يايع أي جائع، وفارغ كناية عن خلوه من أي فائدة تُرجى، ويوضح المثل واحداً من ملامح الثقافة المحلية، وهو الاسم وضرورة أن يعكس طبع المُسمى ويوافقه، فيحرص الأهالي على التمسك بالأسماء، ويولونها اهتماماً كبيراً، من باب أهمية التحلي بالصفات الحميدة كالشجاعة والكرم، فلا يجب أن يكون الغني بخيلاً، ولا الشجاع متخاذلاً، ولا «جميلة» قبيحة. بل لا بد من توافق المظهر والجوهر.

كدأب الخبرات على الدوام، تقفز فوق حواجز الجغرافيا، فالأمثال مرايا تعكس تجارب الشعوب على أسطح مختلف اللهجات، ومثلنا حاضر في ثقافات عربية عدة، أولها المصرية، فيُقال «من برا هالله هالله.. ومن جوّه يعلم الله».. أي ما ظهر من الشيء يوحي بجماله، أما ما خفي فعلمه عند الله، ويشبهه في ذلك مثل تونسي يتساءل «يا مزيّن من برا.. شحالك من داخل؟».. وفيه استغراب واستنكار عن مظهر مزدان واضح بينما المضمون مجهولاً. وفي بلاد الشام يُقال مثل شبيه بمفردات مختلفة «من برا رُخام.. ومن جوّه سخام»..

ويحسم هذا المثل تناقض الشكل والمضمون، فالخارج رخام، أي أبيض ومصقول ولامع ونقي غالي الثمن، بينما الجوهر «سخام»، وهو الفحم الأسود الرخيص، تأكيداً على حال التناقض التي تعصف بالمضمون على حساب الشكل.