علاء عودة، أردني الجنسية في الثلاثينات من عمره، وهو موظف في شركة خاصة في دبي، والده ظل يعمل ميكانيكياً للسيارات لسنوات طويلة، وهو ما أكسبه معرفة معقولة نسبياً في هذا الحقل.

يقول علاء إن والده أخبره مرات كثيرة أن تبديل زيت محرك السيارة الدوري أمر لا يرافقه صواب ميكانيكي بالمعنى الذي يعتقده البعض، وما دامت السيارة تحتفظ بالزيت فهي بخير ويمكنها المواصلة، حيث إن فائدة الزيت تنحصر فقط في منع الاحتكاك بين مفاصل «الماكينة»، مشيراً إلى أنه لا عمر لزيت السيارة، فيما من الأفضل تصفيته من الشوائب في فترات متباعدة، حيث إن شركات تكرير الزيوت تفعل ذلك مع الزيت المستخلص من السيارات وتعيده إلى السوق ثانية.ويضيف أنه في الأردن مثلاً وفي دول عربية أخرى مجاورة، نادراً ما تجد السائقين يتزاحمون على محطات البترول لتغيير زيوت سياراتهم، بل إن كثيراً منهم يضيفون بعض الزيت إلى السيارة في حال النقصان فقط، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطبيعة الجغرافية في تلك الدول أكثر صعوبة عن دول الخليج.

وفي النهاية تحافظ السيارة هناك على عمر طويل لا يقل عنه هنا، مشيراً إلى أن الحرارة المرتفعة لا تعني شيئاً في مسألة تغير لون الزيت أو صلاحيته، فالزيت أياً كان شكله أو لونه يظل يحتفظ بلزوجته، وكل ما تحتاجه ماكينة السيارة هو بعض اللزوجة لتسير بأمان. مواقع الانترنتذلك الرأي تؤكده بشدة عشرات المقالات والمداخلات التي تعج بها مواقع ومنتديات الانترنت في دول الخليج، التي تقول إن تغيير زيت السيارة كل ثلاثة أو خمسة آلاف كيلو متر هي مجرد كذبة تجارية تطلقها شركات تصنيع الزيوت لتحقيق مكاسب مادية أكبر، وأن ذلك النهج الذي يسود في معظم دول الخليج لا يستند على أساس علمي أو واقعي، وأن زيت السيارة قادر على العمل بكفاءة عالية لمسافة تزيد على 20 ألف كيلومتر.

وتؤكد تلك الآراء أن شركات صناعة وتجارة الزيوت نجحت خلال العقود الماضية في ترسيخ فكرة التغيير السريع والمتكرر لزيت المحرك، حتى أن أغلب السائقين أصبحوا لا يتجرؤون على إبقاء الزيت لمسافة تزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر، مشيرة إلى أن العديد من الخبراء في مجال تصنيع السيارات، أكدوا أن الزيوت الحالية والمتوفرة في السوق تخدم في السيارات لمسافات تزيد على ألفي كيلومتر، ولا حاجة لتبديلها كما هو الواقع السائد، مع الإشارة إلى أن حرارة الجو لا دخل لها في نقصان أو زيادة فعالية الزيت، أما تغير اللون فهو أمر طبيعي نتيجة لوجود الزيت بالقرب من منطقة الاحتراق الداخلي في السيارة.

خوف وقلق

الآراء السابقة نصحت فقط في تفقد مستوى الزيت كل خمسة آلاف كيلومتر، والاكتفاء بزيادة كميات لازمة إن نقص مستواه، وذلك هو الأسلوب الشائع في الولايات الأميركية المتحدة وأوروبا كما تؤكد روايات المنتديات، وفي دول عربية أخرى كثيرة كما يجزم علاء عودة.

تلك النظرة تبدو مختلفة في دول الخليج لأسباب عديدة، منها الخوف الزائد من قبل السائقين على سياراتهم الحديثة، والمستوى الاقتصادي المرتفع، والاستسلام لنصائح شركات الزيوت المنتجة والموردة لتلك السلعة من باب «اعط الخبز لخبازه حتى لو أكل نصه»، فيما الواقع كما يؤكده البعض لا يستدعي هذا القدر من القلق والخوف، حيث لطالما أن الدول الأجنبية والعربية الأخرى ذات المستوى المعيشي الأقل، تمتلك سيارات حديثة ولا تمارس هذا السلوك غير المنقطع في تبديل زيت محرك السيارة الدوري.

وكالات السيارات

المسألة بنظر وكالات السيارات تبدو أكثر جدية وأهمية، حيث يرى بسام أيوب، وهو «مهندس ميكانيك» في إحدى وكالات السيارات في الدولة، أنه لا صحة علمية للآراء السابقة، وأن لحرارة الجو تأثير على زيت المحرك، وأن المدة المحددة كل 5 آلاف أو ما سواها هي الأنسب لتبديل زيت المحرك، وذلك للمحافظة على عمر أطول لماكينة السيارة.

ويضيف أن زيت المحرك وجد ليمنح ماكينة السيارة الأداء المطلوب، لكونه يغذي الآلات المتحركة ويمنحها سلاسة في العمل، وهو بالتالي مرشح لاحتضان نسب من الكربون والشوائب الأخرى، في حين أن لونه يتأثر بسبب الحرارة، وكل ذلك يفقده لزوجته المطلوبة، وبالتالي يصعب دخوله إلى المسامات المتوفرة في الماكينة لتسهيل آلية عملها، وهو ما قد يلقي بتأثيره السلبي على أداء السيارة ككل.

ويوضح المهندس بسام أيوب أن الزيوت أنواع مختلفة، منها زيت «2030» وهو الأنسب للسيارات في دول الخليج، وهذا الزيت يتدرج إلى مراتب عدة، منه ما يصلح لثلاثة آلاف كيلومتر أو خمسة أو 15 ألف كيلو، حيث لكلٍ سعر محدد، وهو ما يعمل به في الوكالة التي ينتمي إليها، حيث أن تاكسي دبي تستخدم زيت الـ 15 ألف كيلو متر باستمرار، لافتاً إلى أن التغيير الدوري لزيت المحرك ضرورة للمحافظة على السيارة.

حسن عبدالنبي، موظف بقسم الحوادث في إحدى وكالات السيارات، يرى أيضاً أن مسألة التغيير الدوري لزيت المحرك وفقاً للمدة المتعارف عليها أمر واقعي وليس «كذبة تجارية» كما يدعي البعض، وأن السيارة تحتاج إلى هذه الخطوة لتجديد آلية عمل المحرك، تلافياً للضعف في الأداء أو غيره من الأمور الأخرى التي قد تأتي على حساب عمر المحرك.

الشباب يتجاهلون التغيير في بلدانهم ويلتزمون به في الإمارات

أحمد الكعبي شاب إماراتي في العشرينات من عمره مهتم بالسيارات، يعتبر أن معدل تغيير زيت المحرك أمر يتعلق بطريقة الاستخدام، وهو عندما يضغط على سيارته أكثر، يضطر إلى تبديل الزيت بعد مضي آلاف قليلة على الوقت المحدد، وفي حال كان لطيفاً معها فيستبدله بعد مضاعفة الوقت المحدد، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الزيوت أنواع كل منها يحتفظ بكمية جودة مختلفة.

وجهة نظر

الأمر من وجهة نظر أحمد تماماً كما هو الحال مع زيت الطعام والطبخ، فالبعض يعرف كيف يقلي «البطاطس» مثلاً دون أن يحرقها ويتلف الزيت، وآخر لا يستطيع فعل ذلك على النحو المثالي، وهو ما ينطبق على استخدام السيارة، حيث أن البعض يقودها بضغط وعنف فيضطر إلى استبدال الزيت في فترات قريبة، والبعض الآخر يتعامل مع السيارة بـ «منتهى الحنية»، وبالتالي ليس مجبراً على تغيير الزيت عند المسافة المكتوبة على «ستكر» يلصقه العامل عند باب السيارة.

محمد عبدالحليم موظف يعمل في دبي، أكد أنه لا يهتم كثيراً بتغيير زيت سيارته عند الوقت المحدد له حسب «وصفة العامل»، لكونه على يقين أن الزيت يدوم لفترات أطول بكثير مما يعتقده البعض.

وقال إنه كان يقود سيارة في مصر قبل أن يأتي إلى هنا، وهي سيارة العائلة التي دامت طويلاً، لكنه لم يكن يهتم بتغيير زيت المحرك كما هو الواقع في دولة الإمارات، لقناعته أن الزيت يصلح لمدة أطول مما يعتقده البعض.

نظرة تجارية

وأشار إلى أن السيارة تستهلك الزيت في أكثر من موقع.. زيت خاص للمحرك وآخر لناقل الحركة وثالث لـ «الباور ستيرنج».

ولا أحد يلتفت إلى الزيتين الآخيرين فيما الجميع هنا مهتم بزيت المحرك فقط، والأمر يبدو متعلقاً بنظرة تجارية حيث كمية زيت المحرك أكبر، وبالتالي التحفيز على تغييرها يدر ربحاً أكثر.

رأي سائد

ذلك الرأي سانده عبدالرحمن آل يحيى من الأردن، الذي أضاف أن معظم السائقين في بلده لا يلتفتون إلى تبديل زيوت المحرك إلا «من رحم ربي»، وهي ثقافة تكاد تكون عامة، ولا أحد يشكو من تلف متكرر نتيجة عدم تغيير الزيت، بل إن الكثيرين هناك يتفقدون الزيت ويضيفون عليه كميات أخرى في حال النقصان، على عكس الواقع المتبع في هنا في الإمارات، حيث عين السائق لا تغادر عداد الكيلومترات خوفاً أن يسير بضع كيلو مترات إضافية عن الوقت المحدد.

حالات نادرة

عبدالرحمن الذي ظل يقود السيارات في بلده دون أن يلتفت إلى تغيير الزيت إلا في حالات نادرة، أكد أنه واحداً من المواظبين على تغيير زيت سيارته هنا في الإمارات.. سألناه لماذا تفعله هنا وتهمله في بلدك، أجاب: لا أعرف سر ذلك تماماً، لكنه قد يكون بسبب الوضع المادي الأفضل نسبياً، أو لكون سيارتي جديدة نسبياً، أو ربما هي تقليد عام على شكل عدوى تنتقل بين السائقين كما «الإنفلونزا».

دبي ـ عنان كتانة