بعد غياب استمر سنوات طويلة تراوغ الذاكرة، عاد الشاي الأسود ليستعيد مكانته الرفيعة وأمجاده القديمة في تايوان،غير أن هذا التحول لا يزال مقتصراً على مدينة واحدة حتى الآن، هي مدينة يوشيه، التي طالما ارتبط اسمها بهذه النوعية من الشاي.

ويشير الخبراء إلى أن الشاي كان يمثل، منذ عقود، أحد الصادرات الرئيسية في تايوان، غير أن زراعته تراجعت كثيراً، خلال العقود الأخيرة ، إلى حد أنها أصبحت مقتصرة على مناطق محدودة ومتباعدة في الجزيرة العتيدة.

ويقول هوانج تشينغ شونج من معهد بحوث الشاي في مجلس الزراعة في بلدة يوشيه: « ربما كانت يوشيه هي البلدة الوحيدة التي يزرع فيها الشاي الأسود في تايوان في الوقت الحالي».

وعلى الرغم من أن الشاي تجري زراعته في أماكن عدة في تايوان منذ قرون، إلا أن سلالة الكاميليا، التي تعد السلالة الوحيدة التي تأتي منها أوراق الشاي، لم تدخل تايوان إلا في أوائل القرن التاسع عشر، وذلك من اسام الهندية .

وخلال سنوات الاحتلال الياباني لتايوان من 1895 إلى 1945 تدفقت إلى تايوان من البلاد المجاورة سلالات عديدة من الشاي، وبصفة خاصة من الهند والصين . ومنذ ذلك الحين أصبح الشاي الأسود عماد إحدى الصناعات الرئيسية في تايوان .

ومنذ ذلك الحين بدأت تايوان في تصدير الشاي الأسود كمحصول نقدي مهم، وكان نجاح هذه التجربة دافعا للمزارعين التايوانيين إلى المبادرة بزراعة محاصيل أخرى عديدة مثل شجر الفوفل والسلالات التي تصلح لإنتاج الشاي الفاخر المفضل لدى الأثرياء التايوانيين.

وهكذا وصلت تايوان إلى إنتاج 1000 طن متري من الشاي الأسود في عام 1990، في حين استوردت في العام نفسه 2000 طن متري من هذه النوعية من الشاي. وشهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة زيادة مضطردة في الطلب على الشاي الأسود، وذلك نتيجة للتزايد الكبير في أعداد المحال المتخصصة في تقديم هذا المشروب المحبب لدى الكثيرين بارداً وساخناً على السواء.

غير أن عام 1999 شهد منعطفاً مهماً كان له ما بعده، حيث تعرضت تايوان في ذلك العام لزلزال خطير، أسفر عن مصرع أكثر من ألفي شخص وحدوث خسائر مادية جسيمة في المباني والأراضي الزراعية، وكان بمثابة الضربة القاضية لزراعة الشاي في تايوان.

وبعد عامين ونصف العام من وقوع الزلزال، اجتمع عدد من المزارعين في بلدة يوشيه لمناقشة الوضع الذي آلت إليه الزراعة في البلاد، وخلصوا إلى أن زراعة الشاي الأسود كانت مصدراً لعائد كبير لهم، وأن من الخطأ الجسيم إهمال هذا الجانب المهم من الزراعة التايوانية، الذي يعد مصدر رزق للكثيرين.

ومع ذلك فإن زراعة الشاي الأسود لم تسترد عافيتها في تايوان تماماً، لأنه حتى قبل وقوع الزلزال كانت زراعات أخرى مثل شجر الفوفل تنتزع مساحات كبيرة من زراعة الشاي الأسود، بل وفي بعض الأحيان كانت مساحات من الأرض تلقى إهمالاً كلياً .

وربما لهذا كله كان لابد من إعطاء دفعة كبرى لزراعة الشاي الأسود، حيث عقدت اجتماعات متوالية في يوشيه، خلصت إلى ضرورة الاهتمام غلى أقصى حد بزراعة الشاي الأسود، والتركيز على أجود الأنواع، واستخدام أجود أنواع المخصبات التي يمكن أن تمهد الطريق أمام إنتاج النوعيات الفاخرة من الشاي الأسود، وتم وضع هذا كله موضع التطبيق الفعلي، وهو الأمر الذي سرعان ما انعكس على الإنتاج والتصدير على حد سواء.

ومنذ ذلك الحين يواصل إنتاج تايوان من الشاي الأسود استعادة أمجاده وانحاز المزيد منها عبر التركيز على النوعيات الجيدة والبراعة في تصديرها بأحدث الأساليب.