دأب رجال السياسة في تركيا منذ قيام الجمهورية الأتاتوركية قبل أكثر من ثمانية عقود على وضع أياديهم على قلوبهم لدى إعلانهم عن عزمهم خوض غمار الدبلوماسية، والدخول في حلبات الصراعات السياسية في تركيا.
وأدرك هؤلاء أن الصراعات لن تخلو من ضرباتٍ تحت الحزام في بلدٍ ورث فيه أحفاد «عثمان» تركةً ثقيلة دامت أربعة قرون مع جيرانهم على مختلف مشاربهم سواء كانوا عرباً أم أكراداً أم أرمناً أم أوروبيين أو حتى فرساً.
سار هؤلاء على حد السكين الذي رسمه لهم مؤسس الجمهورية العلمانية الذي قال لهم في إحدى المرات إنه «خير لتركيا أن تكون في مؤخرة الدول الأوروبية على أن تكون في مقدمة الدول الإسلامية».
حفظ الساسة الدرس ووقفوا خلف الجيش في انقلاباته المتكررة ضد كل من مس مبادئ العلمانية العشرة. ذهبت أحزاب «السلامة الوطنية» و«الرفاه» و«الفضيلة» أدراج الرياح لأنها حاولت أن «تؤسلم» قوانين الوطن الذي يشكل المسلمون 99 في المئة من سكانه!!.
ولكن رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان تعلم من مصائب معلمه نجم الدين أربكان وارتدى عباءة الدين دون أن يخلع قبعة العلمانية وأمسك بصولجان الإسلام بيدٍ وبصورة أتاتورك بيدٍ أخرى.
واليوم، يحلو لأردوغان ممارسة هواية التجول في حقول الألغام السياسية.. التي تختلف عن تلك التي زرعت على الحدود التركية لمنع مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تنفيذ عملياتهم إبان حقبة المواجهات التي يبدو أنها طويت.. أو هكذا يتمنى المتفائلون.
خطا رئيس الوزراء التركي خطواتٍ لا يمكن حتى لأعدائه إلا النظر إليها بإعجابٍ، بعد أن قرر فتح «صندوق باندورا» المتخم بالملفات الشائكة، في حين كان الساسة يهربون منه بطريقةٍ «سيزيفية» اقتبسوها من أساطير خصومهم الإغريق.
يمم شطر وجهه إلى أرمينيا ليغلق كتاب المجازر التي أدمت علاقات البلدين، وأعاد أنقرة إلى محيطها العربي والإسلامي دون أن يغفل عن حلم الاتحاد الأوروبي العتيد. أصلح العلاقات مع أكراد الداخل فأثار غضب القوميين، وصالح تركيا مع أكراد العراق وعربها.. دون أن ينسى أيضاً التركمان وكركوك ويرفض كأسلافه أي مساسٍ بحقوق الأقليات التركية في غير مكانٍ.
أدار ظهره إلى إسرائيل ومد يده إلى سوريا فنال ثناء الجميع. نسج علاقاتٍ مع الجارة إيران بطريقةٍ سلسة يغار منها نساجو السجاد الفارسي المحنكون.
نجا حزبه «العدالة والتنمية» من مقصلة الحظر ليبدأ الحياة من جديد ومن «تسونامي» مؤامرة «أرغينيكون» فكانت ضربة معلم بحق أخرجت المؤسسة العسكرية من مولد الحكم «بلا حمص ولا زيت».
يمضي أردوغان في «درب الآلام» متذكراً بيت الشعر التركي الذي كان ردده فتسبب في زجه في غياهب السجون: «مآذننا رماحنا والقباب خوذنا»، ولسان حاله يقول: «الحلول الوسط رماحنا والشعب خوذنا». فهم أنه لكي تحكم أرضاً تمتد من أوروبا إلى آسيا، فعليك أن تمسك بالعصا من منتصفها وتبقى يقظاً حتى لا يفتح أحدهم «صندوق باندورا» بحقك.
رؤوف بكر
