السموم عالم من علامات الاستفهام المذهلة، التي فتنت الإنسان واجتذبته مذ أقدم العصور، وهذا الاهتمام لم يأت من فراغ، وإنما مصدره الأول الحضور الهائل لكل ما يتعلق بالسموم في حياة الإنسان، وتأثيرها المروع عليه، وفي الوقت نفسه قدرته على النجاة منها بطرق لا تخطر على بال.
يشير الخبراء إلى الوفرة المذهلة للمواد السامة في الطبيعة من حولنا، فهناك 1200 نوع من الكائنات السامة البحرية، و700 نوع سام من الأسماك، و75 نوعا من العقارب، و400 نوع من الأفاعي السامة، 200 نوعية من العناكب، بالإضافة إلى أكثر من 1000 نوع من النباتات السامة، فضلا عن العديد من الطيور التي تحمل في ريشها مواد سامة يمكن أن تودي بحياة الإنسان إذا لمسها.
الأمر لا يقتصر على ذلك، حيث أن أكثر العنصر شيوعا قد يكون لها تأثير مميت على الإنسان. الأكسجين قد يندرج في هذه العناصر، أو هذا هو على الأقل ما يقوله عالم السموم مايكل تروش من كلية الصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز، حيث يؤكد أن: «الأكسجين هو أكبر العناصر السامة الموجودة على سطح الأرض.
ففي الوقت الذي يتداخل مع الطعام لتوليد الطاقة، تقوم أجسامنا أيضا بإنتاج مواد أوكسجينية وحامض نووي وبروتينات وشحوم، فنحن نمر بعملية أكسدة طوال الوقت، وهناك ثمن فعلي ندفعه يوميا بما نقوم به من عملية تنفس، وهو أننا نخسر جانبا من عمرنا بفعل هذا الأكسجين».
والسموم لا تقتصر على الأنواع الشهيرة والمعروفة مثل الزرنيخ والاستركنين، فالحقيقة البسيطة هي أن الإفراط في أي شيء يحوله إلى سم، وعلى سبيل المثال فإن الإفراط في تناول فيتامين «ا» يمكن أن يؤدي إلى انهيار وظائف الكبد، والإفراط في تناول فيتامين «د» يمكن أن يسفر عن فشل كلوي، بل والإفراط في شرب الماء يمكن أن يؤدي إلى نقص صوديوم الدم، وهو ما يعني تحلل المحتوى الملحي للدم.
في ضوء هذا الحضور الهائل للسموم حول الإنسان، يبرز سؤال مهم: لماذا لا يتوازى عدد من يموتون من جراء السم من البشر هذا الحضور الكبير للسم في حياتهم؟
الإجابة البديهية هي أن الجسم البشري يلعب دورا كبيرا في الوقاية من السموم الطبيعية أو المصنعة على حد سواء، فأول خط دفاعي للإنسان في مواجهة السم يتمثل في تلك الطبقة الجلدية من مادة الكيراتين، وهي عبارة عن مادة نسيجية لاتنفذ منها أصغر الجزيئات وأكثرها قدرة على الذوبان في الشحوم.
كما أن حواس الإنسان تلعب دورا كبيرا في تحذيره من السموم، وتأتي بعد ذلك آلية التقيؤ التي تتيح للإنسان التخلص من المواد الضارة إذا وصلت إلى جهازه الهضمي. وخط الدفاع النهائي المتاح للإنسان في مواجهة السموم هو، بالطبع، الكبد الذي يحول المواد السامة إلى مواد تذوب في الماء يمكن غسلها عن طريق الكلى.
المدهش حقا في عالم السموم أن هناك من العلماء من لا يتردد في الإشارة إلى الجوانب الإيجابية في السموم، وتأكيد أن علم السموم وعلم الصيدلة ينبعان من جذر واحد، والمثال الشهير في هذا الصدد هو الزرنيخ الذي يعد من أشهر أنواع السموم، والذي عرف باسم سم الملوك والسلاطين على مدار التاريخ، وهو في الوقت نفسه يستخدم لعلاج القرحة والسرطان والربو، بل وهناك من يقولون بإمكانية استخدامه في علاج اللوكيميا.
