في ضريحه المؤقت، وفي المكان الذي حوصر فيه حتى الموت، يرقد الزعيم الراحل للشعب الفلسطيني ياسر عرفات، بانتظار أن تتغير الظروف السياسية ليصار إلى نقل رفاته إلى مدينة القدس التي باتت تشكل عنوان وجوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

في هذا المكان الذي يزوره الفلسطينيون على مدار العام وبصورة اكبر في ذكرى رحيله الخامسة التي تصادف هذه الأيام، وهم يحملون الأزهار والشموع، ويقرؤون الفاتحة على روحه. يرقد عرفات ومعه فكرة الدولة المستقلة التي قاد شعبه على مدى أكثر من أربعة عقود في معارك عسكرية وسياسية متشعبة من اجل تحقيقها.

لم يبدأ حصار ياسر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله حيث بقي في السنوات الأخيرة ممنوعا من المغادرة، وحتى تنفس الهواء النقي. فقد سبقتها محاولات اغتيال عديدة استهدفته خاصة في بيروت التي اخفق غريمه التاريخي ارئيل شارون فيها، فعاد لحصاره في رام الله.

وفي كل الحالات كان هدف شارون واحدا هو التخلص من عرفات الفكرة. فكرة الدولة التي تحاول إسرائيل اليوم قتلها في الزعيم الجديد للفلسطينيين محمود عباس، الذي يصعب مهمتها في محاصرته عسكريا بفعل برنامجه السلمي لكنها تحاصره سياسيا كما حاصرت سلفه عرفات.

بدأت معركة تصفية عرفات سياسيا، ومن ثم جسديا بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في يوليو عام 2000، حيث استنتجت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة أن السلام لن يكون مقبولا بالنسبة للقيادة الفلسطينية دون القدس ودون السيطرة على الحرم القدسي.

في المرحلة الأولى عملت حكومة حزب العمل على تجنيد ضغط أميركي على عرفات، وفي المرحلة التالية تحرك ارئيل شارون الذي كان يقود حزب الليكود اليميني فقام بزيارته الاستفزازية للمسجد الأقصى فتفجرت الانتفاضة. وفي العام 2002 بدأ الحصار الإسرائيلي على عرفات في مقره.

واقتحمت دبابات الاحتلال مقر عرفات وهدمت 12 مبنى امنيا في محيطة إلى أن وصلت لمقر إقامته فأطلق عبارته الشهيرة التي قال فيها: «يريدوني إما أسيرا وإما طريدا وإما قتيلا. لكنني أقول لهم: شهيدا شهيدا شهيدا». ويقول ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» وابن شقيقة الرئيس الراحل عرفات بان الزعيم تعرض لعملية اغتيال. « كان هناك نقاش بين شارون وجورج بوش فيما يتعلق بالتخلص جسديا من ياسر عرفات».

كانت قيادة البيت الأبيض المحافظة جزءا من الحصار السياسي على عرفات. ففي يونيو2004 دعا الرئيس جورج بوش الشعب الفلسطيني إلى انتخاب قيادة جديدة بعد أن كانت الدبابات الإسرائيلية قامت بست جولات من الحصار المباشر والجسدي على مقر عرفات الرئاسي في رام الله، كان أخطرها العملية التي بدأ ت 29 مارس 2002 في إطار حملة السور الواقي. ذلك الحصار الذي وصلت فيه الدبابات الإسرائيلية إلى بعد أمتار من عرفات، فحمل سلاحه وأشهره متحديا بقتال كل من يقترب منه.

ويقول جمال ندى احد حراس عرفات الذي تواجد معه في ذلك اليوم: «كان عرفات رجلا قويا يرفع معنويات الشباب. وأتذكره في أيام الحصار وهو يطوف على الحراس ليطمئنهم ويشد من أزرهم ويحتفل بأعياد ميلادهم».

ويبدو أن إسرائيل فكرت في تصفية عرفات جسديا بعد فشل حصاره السياسي، فظهرت عليه علامات المرض الغامض في أكتوبر 2004. وسرعان ما تدهور وضعه الصحي فتم نقله إلى مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا، ثم توفي بعد أيام بمرض لم يعرف الطب بعد تفسيرا له. رغم ما يتردد بأنه مات مسموما، وان لم يكن هناك دليل علمي يؤكد ذلك.

واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على رحيل عرفات، فان إسرائيل لم تحقق أهدافها من وراء إبعاده عن المشهد. والفلسطينيون مستمرون في التمسك بأفكاره وثوابته.

محمد إبراهيم