تنتمي شجرة الهوارانجو البيروفية إلى عائلة أشجار الأكاسيا، وهي تشتهر بأنها يمكن أن تعمر وصولا إلى 1000 عام، ومن ثم فقد عايشت الحضارات، وصمدت في وجه زحف الصحراء وتقلب الحضارات وغارات الغزاة الأسبان، لكنها فيما يبدو لا تستطيع الصمود في مواجهة أكثر أعدائها شراسة، وهي المناشير الآلية.

ومنذ أكثر من ألفي عام، أمدت هذه الشجرة الفريدة أبناء بيرو بالغذاء والخشب، وتعد قريبا عملاقا لشجرة المسكيت، التي تنتشر في الغرب الجنوبي الأميركي، وقد صمدت في مواجهة نشأة وسقوط الحضارات، منذ ماقبل الحضارات الهسبانية، وصولا إلى مرحلة الغزاة الأسبان، الذين سجلوا ذهولهم حيال وفرة غاباتها.

اليوم، وعلى الرغم من أن بيرو تحرص على الحفاظ على توازنها البيئي الدقيق الذي تدعمه أشجار الهوارانجو، فإن القرويين البيروفيين يقطعون البقية الباقية من هذه الغابات، التي كانت وفيرة يوما للحصول على الفحم وخشب التدفئة.

ويقول كونسيلو بوردا الذي يساعد في إدارة مشروع لإعادة إحياء الغابات في منطقة أيكا في بيرو: «إننا لا ندرك أننا نبتر أطرافنا عندما نقطع شجرة هوارانجو».

وينظر الكثيرون في بيرو إلى شجرة الهوارانجو باعتبارها مصدرا رئيسيا للفحم للطهي عليه وخاصة إعداد أطباق لحم الدجاج المعروفة باسم «بولو بروستر». كما أن قرنات هذه الشجرة يمكن أن تطحن ويتم تحلية دقيقها لصنع دبس السكر وتخميره لصنع الجعة.

وخشب الهوارانجو الذي ينافس خشب الساج في متانته يدوم طويلا لدى حرقه، والفحم المتخذ منه يفوق بكثير الفحم المتخذ من أنواع أخرى من الخشب.ويكتفي القرويون في معرض إبداء رد الفعل على قيام السلطات الإقليمية بحظر قطع هذه الشجرة بهز أكتافهم استهانة.

وينطلق الحطابون الى الغابات ليلا مستخدمين المناشير اليدوية بدلا من المناشير الآلية لتجنب الرصد من جانب الشرطة، وربما يعود صمود ما بقي من أشجار الهوارانجو إلى معجزة حقيقية، فبعد قرون من قطع أشجار الغابات.. لم يبق إلا 1% من الغابات الأصلية التي كانت قائمة يوما في صحراء بيرو.

وقد وصف فريق من الباحثين البريطانيين في دراسة فريدة مؤخرا كيف أن النازاك، الذين تركوا بصمتهم على صحراء بيرو قبل وصول الأسبان بألف عام، قد تسببوا في كارثة بيئية بقطع أعداد هائلة من الأشجار في غمار حرصهم على توفير الأرض لزراعة الذرة، فصارت الأرض عرضة للرياح الصحراوية والفيضانات والتآكل.

ويقول ديفيد بيرسفورد جونز عالم الآثار بجامعة كامبردج الذي شارك في إعداد هذه الدراسة عن أشجار الهوارانجو الموجودة في يوساكا ربما كانت هي كل ما تبقى من غابات الهوارانجو الوفيرة التي كانت قائمة يوما، وإن الأمر يقتضي قرونا لكي يتم نمو شجرة واحدة منها على حين يقضي المنشار اليدوي عليها في سويعات.

ويحتدم الصراع حاليا في صحاري بيرو بين من يحاولون حماية هذه الشجرة الثمينة وبين من يرون في قطعها وحرقها طريقة حياة، وهو صراع لا يبدو انه سينتهي في الغد القريب.

(قسم الترجمة ـ «البيان»)