الأوطان قطعة كنافة طعمها لايعرفه إلا من ذاقه، ومن تذوق عرف. الوطن شريان نابض، فهو قلب يمدك بالحياة، والحياة في الانتماء.
قد تجفو الأوطان على بنيها، وربما تنشغل عنهم في خضم مسؤولياتها العظيمة، لكنها لا تنساهم أبدا.
الوطن يسكننا حتى ونحن تحت سقف شمسه، أو ببيت من الشعر، نكتب قصيدة حبه بكل شعرة.. فهو البيت وبيت القصيد.
نهاجر نبتعد كثيرا، ولانضع عصا الترحال أبدا، لأننا مشغولون بالحلم بالوطن. الوطن هو العمر الغالي، يسري فينا ويبني فينا كل معنى جميل، للوطن جل الحب الذي لا يتوقف، بل هو نهرنا القدري في الحياة.. مهاجرون عن الحبيب، نبكي الديار والأهل والأحباب، تهمي المدامع بالذكريات والحقول، وبيارات البرتقال والليمون، نحنّ للزروع وللسحب البعيدة في الأعالي هناك، ولطيور «السمبر» الرواحل نحو موطنها، ترف بالجناح خفاقة للأعالي، أرنو نحوها علها تسمع بعض النحيب، وشهقة الروح لأهل نشتاقهم، تركناهم ونحن صغار. تخنقني العبرات والعبارات، آه صغيرتي فاني أكتم الألم الدفين، الم يسرح في الدواخل يخلف ندوبا وأسى مقيما.
تهزني آيات الرحيل، لكني هنا.. وهنا أجد الابتسام والمقام الجميل، فأبادله الابتسام لكنه ابتسام مر، وإنما جميل.
لكني أخشى أن يعتم القمر وتنضب العيون وتتوقف هتن السحاب عن الهطول.
أخشى أن تبكي الديار من رحل، ولا يجد حينها الوطن الحنين.
أخشى أن تضيع الليالي، بينما لا أزال أحمل صورة الوطن كحبيبة من زمن مضى.
هي الأوطان يا بنيتي كم هي عزيزة.. عزيزة. فتمتعي بالطفولة في ربوع الوطن، وانعمي مع أترابك اليوم بكل ما لم نكن به بالأمس ننعم.
أم يارا