على الطريق الساحلي المتجه إلى مدينة دبا الفجيرة يلتقي الزائر بأهم المعالم الأثرية وأقدمها على أرض الإمارات، إذ يدنو من أقدم أيقونة حضارية وتحفة معمارية إسلامية متفردة عايشت المنطقة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم وحتى الآن، لتحكي لكل من عبر المنطقة عن أول آثار الدولة الإسلامية في أرضنا والتي مازالت حتى اليوم ماثلة بالبنيان والصلاة.
«مسجد البدية» أقدم بيوت الله في دولة الإمارات قائم في مكانه التاريخي منذ ستة قرون تقريبا، مرصع بالحجارة والطين المحروق، مسقوف بأربع قباب تستند على عمود وسطي وحيد. هاهي قاعة صلاة مسجد البدية تحتضنك وأنت تستقبل محرابا ومنبرا صغيرين. يعلو المسجد تل، ولو وددت التسلق لأعلى التل ستحظى بمتعة المشاهدة، فخلف التل تتراص المزارع الصغيرة، المحاطة بالجبال.
إبداع حضاري ضارب في الصلابة، تتميز قاعة الصلاة من الداخل بعمود مركزي دائري المقطع يقسم حيزها الفراغي لأربعة مربعات متقاربة الأبعاد تعلوها قباب أربع تأخذ شكلا متدرجاً على هيئة حلقات حلزونية متماثلة حول محورين متعامدين، مما يعكس صورة بصرية لنمط معماري تميزه الخصوصية في الشكل إلى جانب الإبداع الجمالي.
بيت الله هذا مشيد بحجارة البازلت الصغيرة والطين المحروق، له باب واحد، ومحراب مكون من فسحة بطول ياردتين وعرض ياردة واحدة، أما المنبر فيرتفع بثلاث درجات للأعلى، وإذ تتأمل جدرانه سترى آثار النقوش والزخارف التي طمست معالمها قرون الزمان المتوالية، وما صمد منها فيشبه أسنان المنشار، وإذ ترفع بصرك قليلا سترى تسلل خيوط شمس النهار عبر فتحات التهوية الطينية الصغيرة، كما ترى كوات لوضع المصابيح.
وما إن تشرق شمس الصباح على البحر المطل بضفافه على هذه الأيقونة، حتى تدب الحياة في أرجاء المسجد.
هذا المسجد الضارب في القدم معمور بكل من يهوى قلبه الصلاة، بينما لا يخلو محيطه من الزوار والسياح وهم يوثقون لحظاتهم في تلك المنطقة الأثرية والتجول داخله. ويبقى هذا البيت المعمور صادحا بنداء الصلاة لكل فرض ويستمر حيا ونابضا بالصلاة إلى ما شاء الله.
ابتسام الشاعر
