في بلدٍ يعني اسمه «حافة الكون الفضية» عرفه العالم عبر نجم كرة القدم السابق دييغو مارادونا وأطباق ال«ستيك» البقري المشهورة، أطلت هي من شرفة النساء لتهطل مثل سرٍ من ذهب وتعلن أن أول الغيث.. امرأة. هي كريستينا كيريشنر، رئيسة الأرجنتين الحالية وإحدى أقوى نساء الأرض في عصرنا الحالي بحسب تصنيف مجلة «فوربس».. وشعبها. تولت زمام الحكم قبل نحو عامين لتزيح غمامة الكآبة عن سماء السياسة في الأرجنتين التي لم تستعد ديمقراطيتها السليبة إلا منذ قرابة ربع قرن.

أهالت كيريشنر أكاليل النصر وارتدت تاج الأمل فأعطت للقصر الرئاسي في بلادها المسمى باللغة الاسبانية «كاسا روسادا» أو «القصر الوردي» معنيً حقيقياً بعد أن طلته بشعبيتها الكاسحة بألوان الحزب البيروني الذي تنتمي إليه. فكيريشنر هي أول امرأة تنتخب في تاريخ بلادها والوحيدة من بين مرشحي الرئاسة منذ العام 1983 التي تتجاوز منافسيها بفارقٍ شاسع يشبه إلى حدٍ كبير رحابة السهول التي تحفل بها الأرجنتين.

بل وهي الأولى لربما في العالم التي يسلم لها زوجها طائعاً مختاراً مفاتيح الحكم مدركاً غرق الرجال في قيود العجز وتيه الفشل. تنبه الرئيس الأرجنتيني السابق نستور كيريشنر إلى أن من أمسكت بتفاصيل حملته الانتخابية وأوصلته إلى «القصر الوردي» هي أفضل من يقود البلاد في زمن الأزمة المالية والاصطفافات السياسية في ما كانت تعرف بـ «باحة واشنطن الخلفية».

نسجت كيريشنر علاقاتٍ طيبة مع خصوم البيت الأبيض في فنزويلا وبوليفيا واحتفظت في الوقت ذاته بوضعية الحليف مع الولايات المتحدة التي لطالما تمتعت بها بيونس آيرس. وفي خضم قيادتها الناجحة لوطنها، لم تنسى أن تؤازر بنات جنسها وزميلاتها في عالم الدبلوماسية لتقيم «تحالفاً ناعماً» يراه البعض بديلاً مثالياً لتحالفات الرجال التي تولد ميتة في رحم أصحابها.

فعززت من اتصالاتها بنظيرتها في تشيلي ميشيل باشيليت ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وزعيمة المعارضة الفرنسية سيغولين رويال وخليفتها مارتين أوبري. لم تتمكن الملامح الجميلة لسيدة الأرجنتين الأولى، السابقة.. والحالية، من إقناع الصحافة ووسائل الإعلام في بلدها أن يمزقوا زلاتها ويحذفوها من صفحة الوفيات السياسية. فانخرطت تطالع فنون القتال مع رجال الإعلام وتمتشق سيف النقد ضد أهل الكلمة، لتهز عرش «صاحبة الجلالة» بيدٍ من حديد وتحكم بأخرى مغلفة بقفازٍ من حرير.

حكي الكثير عن ثروة كيريشنر والطريقة التي جمعت بواسطتها الملايين والكيفية التي راكمت من خلالها الشقق والمنازل الريفية. ورغم أنها أكدت مراراً على أن دخلها السنوي كرئيسة لا يتجاوز الـ 148 ألف دولار أميركي، إلا أن تحقيقاً بشأن أصول ثروتها فتح مؤخراً بعدما تسرب إلى العلن تقرير أشار إلى أن أرصدتها تفاقمت سراً ككرة ثلج في أوشويا الأرجنتينية التي تعتبر أبعد مدينة مأهولة في جنوب الكرة الأرضية.

تأمل كيريشنر أن تساهم فترة رئاستها في القضاء على الجريمة المنظمة ورفع المستوى الاقتصادي ومكافحة الفساد وهي الملفات الأكثر إثارةً للجدل في الأرجنتين. ولكنها ترغب ضمنياً على الأقل، إن لم ينتخبها مواطنوها مجدداً، أن تبقى الرئاسة في بلادها مؤنثة.

رؤوف بكر