لعيد الاتحاد، أو العيد الوطني الإماراتي فرحة تفوق كل الأوصاف، فالمسمى أكبر بكثير من ماديات تتناثر هنا أو تشع هناك، وللفرحة حكاية أبطالها أطفال صغار.. وتجار.
كعادتها تستقبل «أم محمد» أطفالها ظهر كل يوم عقب انتهاء نهارهم الدراسي بأمومة لا تفارق تعابير وجهها، عما قريب وبلا سابق إنذار غزا مسامعها طلب من ولدها الصغير خالد «أمي نبا نسير نشتري زينة البيت حق العيد الوطني»، تصمت قليلاً ثم تجيب «هيه.. إن شاء الله بنسير نهاية الأسبوع»، ثم تفكر في صمت بحجم ما يمكن أن يلبي فضول أبنائها الصغار من قصاصات ورق وأقمشة ملونة ثمنها آلاف الدراهم.. لا بأس فالوطن أغلى بكثير.
ذلك واقع معاش يتكرر كل عام بكثير من الإغراءات التي يبتدعها «تجار المناسبات» للنيل من جيوب الآباء، لا سيما في لحظة ضعف أمام طلب بريء يأتي على شكل تعبير عفوي عن حب الوطن.
البيوت الإماراتية والمدارس على وجه الخصوص تستحوذ كل عام على حصة الأسد من الإكسسوارات الخاصة بالعيد الوطني، وذلك بالتأكيد حكم طفولي بريء من الصعب تجاوزه طالما أن الوطن محوره، في حين من الممكن أن تخفف المدارس من حدة ذلك الحكم لا سيما وأنه يمس جيوباً لا طاقة لبعضها على تأمين رغبات أطفال لا تتوقف في رحاب ألوان زاهية تبتدعها المكتبات ومحلات الزينة التي لا تبقي ولا تذر من الابتكارات في تلك المناسبة، طبعاً لرؤية مادية.
تلك الأم واحدة من أمهات كثيرات يضعُفن أمام خيارات أبنائهن الصغار في مناسبة جميلة بحجم عيد الاتحاد، وبالتأكيد ستحتفل مع صغارها بعيد قلبها معلق فيه من قبل.
أما أنا فقد زرتُ إحدى المكتبات في الشارقة، ثم توقفت عند بعض محال زينة السيارات، فوجدتها غارقة بالتحضيرات لتلك المناسبة، وهي العيد الوطني الثامن والثلاثون الذي يصادف الثاني من ديسمبر المقبل أي بعد اقل من شهر.
تلك المكتبات تعرض منتجات كثيرة وبخيارات متعددة، ترصها على نحو يغري الأطفال والزائرين، وهي عبارة عن أعلام واستيكارات عليها رسومات مختلفة بألوان العلم، وتيجان مزينة، وعلب متنوعة بألوان العلم وقلوب كبيرة ونجوم وميداليات وشالات وقبعات خاصة وأعلام بمختلف الأحجام، وإكسسوارات كثيرة خاصة بالسيارات، وأشياء أخرى لا تعد ولا تحصى.
بالتأكيد ستقف «أم محمد» أمام خيارات كثيرة تستهوي أبناءها الصغار، وستعود إلى البيت محملة بعشرات الأشكال الاحتفالية بالعيد الوطني، كما حصل معها العام الماضي، ولن تسأل عن مبلغ ألف أو ألفي درهم أو ربما أكثر بكثير لأن الوطن أغلى، لكنها تتساءل: لماذا لا تساهم المدرسة في القضاء على ذلك السلوك التجاري الذي ينتهز جيوب الآباء، فتحفز الصغار على لملمة أفكارهم الوطنية بإبداعات عملية هادفة، تُصنع من أفكار تربوية وتدوم للمدى البعيد، وتكون على هيئة دروس نشاط تتابعها المدرسة وتحددها في إطار معنوي مفيد.
وتضيف أن المدارس تعيش أيضاً حالة طفولية مادية في احتفالات العيد الوطني، وهي جهة مستهدفة من «تجار المناسبات»، فيما من المفترض أن تسترجع مسماها التربوي فتعزز ثقافة الولاء المعنوي في عقول وقلوب الطلبة.. علّها تعفي آباء وأمهات من دفع مئات الآلاف أو ربما الملايين من الدراهم لقاء قصاصات من الورق والقماش تبهت في الثالث أو الرابع من ديسمبر كل عام. «أم محمد» ستخضع لرغبة خالد وأبنائها الآخرين، وستدفع آلاف الدراهم، وكذلك الأمر بالنسبة لـ «أم سعيد» و«أم خالد» و«أم سهيل»، وللمدارس الكثيرة في الدولة.. إنه واقع مادي فرضته نظرة تجارية، ويبقى العيد الوطني الإماراتي الحقيقة الأجدى بالولاء المعنوي طويل الأمد، كما تقول.
دبي ـ عنان كتانة