«كل بهاء في ملاحة صورة، على كل قد شابه الغصن يانع، وكل لطيف جل أو دق حسنه، وكل جميل بالمحاسن بارع، محاسن من أنشاه ذلك كله، فوحد ولا تشرك به فهو واسع، وإياك أن تنطق بغيرية البهاء، إليه البهاء والقبح بالنفس راجع»، هكذا تتجلى عظمة المولى وقدرته سبحانه وتعالى في كل مشهد تقع عليه عيوننا بوعي أو من دون وعي، وهنا على شاطئ البحر، تمد أشجار النخيل أعناقها إلى السماء، وقد غاصت جذورها في الرمال، وغير بعيد يتهادى موج البحر ضاربا رمل الشاطئ وكأنه يمد يدا للسلام، تلك ثنائية ابن الإمارات الذي عايش البحر صيدا للأسماك واللؤلؤ، وركب أمواجه بحثا عن لقمة العيش وسفرا من أجل التجارة.

أما النخيل فهو الركيزة القوية التي تمدنا بالظل والثمر، وتدخل مكوناتها في كثير من الصناعات والاستعمالات التي كان يحتاجها الإماراتي قديما، فمن سعف النخيل تصنع أسقف البيوت، وكذلك الأدوات المنزلية، وفوق كل ذلك تظل شجرة النخيل مباركة برطبها ثم تمره الذي يحتل مكانة خاصة في قلوب أهل الجزيرة العربية بصفة خاصة، والشعوب العربية والإسلامية بصفة عامة.

غير أن الصورة بثنائيتها البهية، تفتح آفاقا على مشهد صباحي يتكرر يوميا، وهناك من يتربص بهذه السويعات ويحرص على أن يأخذ نصيبه من هذا الجمال الرباني، نصيب يتمثل في التمتع بهذه الأجواء الساحرة، وتأمل فيما وراء الماء، وربما أتاح المشهد للبعض فرصة للتأمل النفسي الداخلي، مانحا الذات دقائق من الاستجمام، لاشيء سوى أن تنفلت الروح من الجسد وتحلق في ملكوت الله، لتصبح جزءا شفافا في لوحة ربانية تسبح بحمد الله، لاشيء سوى أن ينعتق المرء من نفسه راميا خلف ظهره أعباء الحياة وحسابات الغد الدنيوية، وليأخذ شهيقا طويلا محملا بالدهشة أمام مفردات الطبيعة، ثم يطلق زفيرا جزيئاته شكر وحمد وتسبيح.

عز الدين الأسواني