نسمع كثيراً عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وتأثيرها السلبي على حياتنا اليومية، وتتوالى تحذيرات العلماء من تفاقم الأزمة مع اتساع نطاق الظاهرة وتوالي نتائجها على الحياة الطبيعية.. فما هي ظاهرة الاحتباس الحراري وكيف يمكن التقليل من تأثيراتها السلبية علينا؟

تقول الدكتورة طرفة الشيبة الشرياني رئيسة قسم البيئة والموارد الطبيعية في مركز الإحصاء بأبوظبي: الاحتباس الحراري هو امتصاص حرارة أشعة الشمس الساقطة على سطح الأرض دون أن تتمكن من الارتداد، وبالتالي ترتفع درجة حرارة الأرض. ويحدث ذلك عندما يزيد تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون وهو ينتج أساساً من حرق الوقود الكربوني سواء فحم أو نفط أو غاز أو غير ذلك، وتزيد كثافة الهواء في الغلاف الجوي الملامس لسطح الأرض، فتزيد زاوية انكسار الأشعة الساقطة على الأرض «أكثر من الزاوية الحرجة للانكسار» مما يجعلها لا تستطيع الارتداد ومن ثم تمتص في داخل الأرض. وكلما زاد ثاني أكسيد الكربون يزيد بالتبعية امتصاص الحرارة وبالتالي ترتفع درجة حرارة كوكب الأرض، ولأن ما يشبه نفس الظاهرة يحدث في الصوبات الزراعية حيث يتجمع ثاني أكسيد الكربون الناتج من تنفس النبات في الصوبة الزراعية شبه المغلقة، فإننا نلاحظ أن درجة الحرارة داخل الصوبة الزراعية أعلى من الجو خارجها. لذلك يطلق على هذه الظاهرة أحيانا اسم ظاهرة الصوبة الزراعية. تضيف د. طرفة: هذه الظاهرة تؤثر ليس فقط في المناخ، ولكن في حاضر الأرض ومستقبلها، الاحتباس الحراري يؤدي إلى سلسلة متشابكة ومعقدة من التأثيرات السلبية في مجموعها مثل ارتفاع معدلات درجة الحرارة وبالتالي الرطوبة النسبية والإحساس العام بسوء الطقس، وتغيير نمط الأمطار من حيث المكان والزمان والمعدل، أيضاً إذابة الجليد في القطبين، وهو يشكل حوالي 5,4% من إجمالي حجم الماء على سطح الكوكب، الأمر الذي سوف يستتبعه ارتفاع في مستوى سطح البحر وغرق كثير من المناطق، وستتعرض دول بأكملها للغرق بسبب هذه الظاهرة منها هولندا وبنجلاديش والكثير من الجزر مثل المالديف وغيرها.

سلبيات

تشير د. طرفة إلى أن عجلة الاقتصاد مرتبطة الآن وبقوة بالنفط والغاز كوقود، الأمر الذي يهدد باستمرار ارتفاع درجة الحرارة والخلل في توزيعها، ما لم يتوصل الإنسان لطاقة بديلة لا تسبب له أزمة اقتصادية ولا تنتج ثاني أكسيد الكربون، وهذا حتى الآن غير واضح على المدى القريب، على الأقل خلال العقد المقبل، كما تؤكد أن الخلل الحاد الذي أصاب نظام هطول الأمطار على سطح الأرض يتسبب في خلل زراعي وفي إنتاجية الأرض الزراعية وخريطة المحاصيل، كما يسبب خللاً في معدل سريان الماء في الأنهار والمجاري المائية الطبيعة.

يحدث بالفعل خلل واضح في درجات الحرارة والرطوبة والأمطار يؤدي إلي كوارث غير مسبوقة من حيث مكان وزمان وطول فترة الأعاصير والفيضانات وما تسببه من خسائر في الممتلكات والأرواح.

وتضيف أنه تم رصد ظاهرة الاحتباس الحراري كمياً بملاحظة تغير متوسط حرارة الجو خلال القرنين الماضيين، وتم التأكد من ارتفاع متوسط الحرارة في النصف الثاني من القرن العشرين مقارنة بالنصف الأول من نفس القرن، والزيادة في العقدين الأخيرين غير مسبوقة مقارنة بالقرن السابق، كما أن هناك رصدا دقيقا لنسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو، وهي مؤكدة.

وقد عقدت مؤتمرات كثيرة واجتماعات موسعة للدول الصناعية الكبرى، وتم تحديد سقف لإنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون في كل دولة. وثبت أن أغلب الدول الأفريقية والدول العربية يمكن تصنيفها على أنها غير منتجة لثاني أكسيد الكربون حتى الآن، ولا تلتزم الكثير من الدول الصناعية الكبرى بسقف إنتاج ثاني أكسيد الكربون، لأن الالتزام يعني إغلاق المصانع وتراجع الاقتصاد.

الخليج العربي

وعن تأثير الظاهرة على الخليج العربي تقول الشرياني: يعتبر الخليج العربي نموذجا مثالياً للتأثر بالتلوث البيئي بصفة عامة والتغير المناخي بصفة خاصة. وحتى ندرك أسباب حساسية الخليج العربي المفرطة للتلوث، ينبغي أن نعلم خصائصه، فالخليج العربي يمتد بطول 985 كيلومتراً وأقصى عرض 210 كيلومترات، ويغطي مساحة إجمالية حوالي 240 ألف كيلومتر مربع، وتطل الإمارات على جزء كبير منه وهو الذي يمتد من شط العرب عند خط عرض 30 شمالاً إلى خط عرض 24 شمالاً عند مضيق هرمز، والذي يعتبر الرئة التي يتنفس منها الخليج، ونظراً لضحالة مياه الخليج العربي والتي تتراوح بين 28 و 1400 متر، فإن حجم المياه فيه تقدر بحوالي 8500 كيلومتر مكعب فقط.

والمعروف أن ملوحة المحيطات تقدر بحوالي 35 جزءاً في الألف، ولكن في البحار شبه المغلقة ترتفع الملوحة إلى حوالي 40 جزءاً في الألف، وفي الخليج العربي شبه المغلق والموجود في منطقة ذات مناخ حار، فإن الملوحة تصل إلى 45 جزءاً في الألف وتتجدد مياهه مرة كل قرن ونصف من الزمان.

ونظراً للملوحة الزائدة للمياه وزيادة كثافتها فإنها تهبط لأسفل وتتحرك كتلة المياه الدافئة لتخرج إلى المحيط الهندي لتستبدل بالماء الأكثر نقاء والأقل حرارة والأعلى في الأوكسجين المذاب، ولكن ببطء شديد وبالقدر الذي يسمح به مضيق هرمز وضعف التيارات البحرية.

مما سبق يتضح أن الخليج العربي لن يستطيع بسهولة التخلص من الملوثات وأنه سيكون شديد الحساسية للتغير المناخي، حتى أن درجة تلوثه تبلغ خمسون ضعف المناطق المماثلة.

ورغم عدم قدرة مياه الخليج العربي على التجديد السريع، فإنه ومحيطه الجغرافي يضم حوالي 60% من احتياطيات النفط العالمية، وعنده أيضا أكبر حقول النفط في العالم. وبالطبع، فإن عمليات الاستكشاف والإنتاج والتصدير والتخزين والتكرير تتسبب جميعاً في إحداث تلوث جسيم وغير مسبوق للخليج. ان زيادة حركة النقل والغازات المحترقة تؤدي إلى زيادة مسببات الاحتباس الحراري، ومن ثم المساهمة في التغير المناخي.

أسباب الظاهرة

ويقول الدكتور زين العابدين السيد رزق عميد معهد البيئة والمياه والطاقة بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا: رغم أن ثوران أحد البراكين الكبرى قد يغير مناخ الأرض لعقود، فقد وُجِدَ أن السبب الرئيسي لزيادة انبعاث الغازات المسببة للظاهرة ونسميها غازات (البيت الزجاجي) في الغلاف الجوي هو الأنشطة البشرية الناتجة أساساً عن حرق الوقود الحفري كالفحم والبترول والغاز الطبيعي، وللأسف فإن هذه الأنشطة لا يمكن التخلي عنها لأنها تمثل عصب الحياة المدنية الحديثة وكلما تطورت الدول زادت نسبة استخدامها من الطاقة المتمثلة بصفة رئيسية في الفحم والبترول والغاز الطبيعي.

كما يمثل التصنيع والسيارات واختزال مساحة الغابات وانبعاث ثاني أكسيد الكربون، مصادر إضافية لغازات البيت الزجاجي. وتعتبر الدول الصناعية الكبرى مسؤولة عن انبعاث 60% من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بينما تنبعث الـ 40% الباقية من الدول النامية. ويبلغ حجم انبعاث الغازات من الولايات المتحدة الأمريكية فقط مجموع انبعاث الغازات الناتج عن الأنشطة الصناعية في جميع الدول النامية.

وللأسف فقد ارتفع انبعاث غازات البيت الزجاجي خلال الفترة من 1990م و 1996م بنسبة 20%، ومازالت تلك النسبة في زيادة مستمرة حتى اليوم. ومن المتوقع أن يتضاعف تركيز غازات البيت الزجاجي في عام 2060م بالمقارنة إلى تركيزها قبل بدء الثورة الصناعية.

وقادت دولة الإمارات عدة محاولات للحد من سلبيات الظاهرة منها على سبيل المثال استضافة دبي للمؤتمر العالمي لمناقشة التغيرات المناخية في العالم، والذي أقيم تحت عنوان: «الاحتباس الحراري دور رجال الأعمال»، والذي ألقى الكلمة الرئيسية فيه خوسيه ماريا فيجوريوس، الرئيس السابق لكوستاريكا والرئيس التنفيذي السابق للمنتدى الاقتصادي العالمي.

أيضاً أعلنت الإمارات أنها تنوي استثمار 15 مليار دولار في المرحلة الأولى من مبادرة لتطوير مصادر الطاقة المتجددة التي تحافظ على البيئة وبناء أكبر محطة لإنتاج الطاقة الهيدروجينية في العالم، كما أجريت عدة دراسات تناولت الظاهرة من كافة أبعادها وأصدرت توصيات بالحلول المقترحة.

الحل في الممارسات البيئية السليمة على الأرض، وما يتم اتخاذه من خطوات عملية للحد من انبعاث الغازات، واعتبار مشكلة الاحتباس الحراري مشكلة حياة أو موت يجب أن تتعاون جميع الدول، بل وجميع أفراد المجتمع الإنساني في حلها.

جهود محلية

تبرهن الدراسات الإحصائية لتحاليل مكونات الهواء أن سنة 2008 شهدت تراجعا واضحا في إنتاج ثاني أكسيد الكربون، وذلك بفضل جهود شركة أبوظبي الوطنية للنفط وللقواعد والقوانين التي أقرتها الدولة بخصوص المحافظة على البيئة، وأنصح الجميع بضرورة مراعاة التوفير في استهلاك الوقود والطاقة حتى وإن كنا نملك قيمتها المادية، وذلك الأمر يستلزم وعي كبير للأفراد لنغلق أجهزة المكيفات عند عدم الحاجة لاستخدامها، والمشاركة في التوصيل للمدارس بأقل عدد من السيارات والعمل وتوفير نقطة الماء المهدرة، وجمع النفايات بحيث يعاد تدويرها، وغير ذلك مئات السلوكيات التي ينبغي أن تتغير.

تضيف: أولت الدولة اهتماما خاصا بتنمية القطاع الزراعي وأصبحت تجربتها في مكافحة التصحر وزراعة الغابات وتحويل الصحاري إلى أراضي زراعية خصبة تمثل تجربة رائدة على الصعيد العالمي رغم قلة مصادر المياه و شح الأمطار.

أيضاً أوضحت وزارة الطاقة في مناسبات عديدة أن الدولة بدأت في إعداد البلاغ الوطني الثاني وتعمل على توفير المتطلبات الأساسية للتخفيف من الانبعاث الكربونية من مصادرها المختلفة واهتمت بتنظيم العديد من الورش التي ساهمت في إلقاء الضوء على الطرق المستخدمة واللازم إتباعها في عملية التخفيف من الانبعاث الحراري.

أيمن حجازي