منذ أن تولى مقاليد الدبلوماسية في بلاده منتصف العام 2007، تمكن وزير الخارجية البريطانية ديفيد ميليباند من إدارة زمام المهام التي أوكلت إليه بطريقةٍ نشطة أبعدت إلى حدٍ ما لندن عن حمى الاتهامات بالتبعية للولايات المتحدة في حل وزرائها وترحال مندوبيها. ويجمع رئيس الدبلوماسية البريطانية بين كل ما هو مطلوب في وزير الخارجية في بلدٍ كانت الشمس لا تغيب عنه في زمنٍ انتهى ولن يعود.
فهو النجل الأكبر لأبٍ وجد في فكر كارل ماركس ضالته المنشودة في تفسير حتمية.. كل شيء. وهو يهودي بولندي قال عن نفسه ذات مرة إنه واحد من ملايين البريطانيين الذين يجري في عروقهم دم بولندي. فبريطانيا كانت على الدوام الوجهة المفضلة للبولنديين حتى يومنا هذا الذي يتكاثر فيه سباكوها الهاربون من صقيع وارسو متناثرين في حنايا ضباب لندن.
شكل ميليباند بأعوامه ال44 مثال الدبلوماسي الناجح القادر على المنافسة في حلبات السياسة والفوز بقصب السبق فيها، مخلفاً وراءه أشلاء ذكريات من سبقوه ومؤكداً على أنه حليف يمكن الاعتماد عليه لرئيس الوزراء العمالي الحالي غوردون براون رغم ما يشاع عن طموحٍ مكبوح لرئاسة الحكومة.
استطاع ميليباند بقصر قامته أن يعلوا فوق قامات جاك سترو ومارغريت بيكيت المحسوبين على «تيار» رئيس الوزراء السابق توني بلير. ونجح مؤخراً في طي صفحة الخلافات مع روسيا التي اتهمها «10 داوننغ ستريت» بأنها لم تجد أفضل من أكلة «السوشي» البريئة لتدس فيها آخر اختراعات جهاز استخباراتها وتطوي صفحة عميلها السابق الكسندر ليتفينينكو الذي دقت ساعة وفاته على بعد عشرات الأمتار من ساعة «بيغ بن» المعروفة.
لفح شتاء موسكو المعتاد وجه ميليباند البريطاني البارد الذي أبى إلا أن يكسر الجليد الذي اعترى علاقات البلدين منذ أعوامٍ ليشدد على أن موعد زيارته، التي تزامنت مع الذكرى الثالثة لاغتيال ليتفينينكو، لم يكن إلا صدفة جسدتها ضرورات المصالح وحتمية من نوعٍ آخر.. هو أن لا عداوةً دائمة في عالم السياسة الضبابي.
وقبل أن يغادر، لم ينس وزير الخارجية البريطاني أن يمر على عمته صوفيا المقيمة في موسكو ويكتشف أن لأصوله شرق الأوروبية امتداداً يصل إلى ما وراء الستار الحديدي.. فكم يبدو والحال كذلك جديراً بتولي حقيبة الدبلوماسية..؟!!. لم يشكل زواجه بأميركية تكبره عمراً وتمتهن العزف على الكمان وتبنيهما لطفلين أي عقبة على صعيد مستقبله السياسي الواعد.
فهو يهوى مشاهدتها تعزف ألحاناً كعضوٍ في أوركسترا لندن وهي تستمع في الوقت ذاته برؤيته يعزف على أوتار التناقضات فوق خشبات مسرح المصالح حينما ترافقه في مهماته. وحتى موعد الانتخابات المقبلة، لا يبدو أن «مستر» ميليباند سيكتفي بمشاهدة مباريات ناديه الكروي المفضل «أرسنال» والاستمرار في كتابة المدونات، إذ ان جرس زعامة «حزب العمال» سيدق حينها كما أجراس محطات القطار العتيقة في بريطانيا ليعلن وصول قادمٍ جديدٍ إلى «10 داوننغ ستريت».
رؤوف ابوبكر
