يعد تعريف الناشئة بآثار الماضي وتراث الأجداد وتعزيز ذلك في نفوسهم، وزيادة وعيهم به، أمرا ضروريا، خاصة أننا نعيش الطفرات الهائلة في تقدم البشرية نحو العصرنة والحداثة والتكنولوجيا. ولكن هذا التقدم يجب أن لا يمحو تراثنا ويطغي على طريقة حياتنا المرتبطة بتاريخ عريق وحضارة عظيمة.
وتحت شعار«رؤيتنا أن نحافظ على تراثنا العمراني برؤية تتطلع إلى مستقبل متميز»، أقامت إدارة التراث العمراني مسابقتها التراثية السادسة لطلبة المدارس وذوي الاحتياجات الخاصة في نادي بلدية دبي. وشاركت في هذه المسابقة مدارس الدولة من جميع المستويات الابتدائية والإعدادية والثانوية، وما كان لهذا الجهد الكبير أن يبرز بهذه الصورة إلا بتعاون عدد من المؤسسات، وهو ثمرة عمل مشترك وتواصل بين بلدية دبي، إدارة التراث العمراني، ووزارة التربية والتعليم، ومركز الإمارات لذوي الاحتياجات الخاصة، ومراكز الرعاية والتأهيل وعدد من المؤسسات الأخرى. ونظم هذه المسابقة التراثية وأشرف عليها خالد الزرعوني، رئيس فريق الأنشطة والفعاليات في إدارة التراث العمراني. وقد توافدت حافلات الطلبة من أنحاء الإمارات الأخرى للمشاركة في هذه المسابقة التراثية ولاستلام جوائزهم على أعمالهم التي قدموها إلى إدارة التراث العمراني، وهي تتنوع في مراحل الدراسة جميعها، ومنها: مسابقة الرسم والتلوين، ومسابقة البحوث والتقارير، ومسابقة التصوير الفوتوغرافي، ومسابقة المجسمات التوضيحية. وأعلن رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني مسابقة جديدة وهي تصوير الفيديو.
تنمية المواهب... والمجالات التي صممتها المسابقة مدروسة بشكل علمي وتربوي، تساعد الطلبة على تنمية مواهبهم وتزيد من وعيهم بالتراث، وهي: ـ الرسم والتلوين: حيث شارك طلبة مدارس الدولة بعمل رسومات بمواد الرسم المختلفة «الرصاص، والألوان المائية، والألوان الزيتية، وألوان الباستيل، وأية مواد وخامات أخرى»، وتركزت هذه الرسومات على التراث العمراني تحديداً، واقتصرت هذه المسابقة على ذوي الاحتياجات الخاصة، لأنهم لا يتمكنون من المساهمة في المسابقات الأخرى. ـ التصوير الفوتوغرافي: حيث شارك طلبة المدارس ممن لديهم قدرة فنية، ومهارة تقنية في التقاط الصور الفوتوغرافية بأنواع آلات التصوير المختلفة لمشاهد المباني التاريخية والتراثية في مختلف إمارات الدولة. ـ المجسمات التوضيحية: حيث شارك الطلبة بعمل مجسمات توضيحية بمختلف الخامات لبيوت مبان ذات سمة تراثية وقيمة تاريخية. ـ البحوث والتقارير: حيث شارك الطلبة بإعداد تقارير بحثية يراعى فيها الأمانة التاريخية والمنهجية العلمية بشأن موضوعات محددة في تاريخ الدولة، وخاصة موضوعات التاريخ العمراني والتراثي. وقد حظيت المسابقة لهذا العام بـ 61 فائزاً توزعت أعمالهم بين اللوحات الفنية، والصور الفوتوغرافية، والتقارير العلمية، والمجسمات، وتم انتقاء عدد من الخبراء المتخصصين في مختلف العلوم الخاصة بالمسابقة. وذلك من بلدية دبي، ووزارة التربية والتعليم، للتحكيم في الأعمال المقدمة. وقامت بتقييم الأعمال حسب معايير، أهمها: الابتكار في الموضوع الفني، تجانس استخدام الألوان والتكنيك الفني، علاقة الموضوع بمجال المسابقة، الجهد الشخصي لطالب، التكامل بين عناصر الموضوع.
نشاطات... واختتمت تظاهرة المسابقة التراثية نشاطاتها بتقديم عدد من مدارس الدولة رقصات اليولة التراثية وغيرها من الألعاب التراثية التي تعزز في نفوسهم فكرة التراث والاعتزاز به. وفي تصريح بهذه المناسبة قال ميحد حمد السويدي المدير العام في وزارة التربية والتعليم: «تكمن أهمية المسابقة التراثية التي تقيمها إدارة التراث العمراني أنها تعرّف الطلبة على آثار الماضي، وتعزيزها في نفوسهم، وتزيد من وعيهم بالتراث وخاصة نحن نعيش الطفرات الهائلة في تقدم البشرية نحو العصرنة والحداثة والتكنولوجيا. ولكن هذا التقدم يجب أن لا يمحو تراثنا ويطغي على طريقة حياتنا المرتبطة بتاريخ عريق وحضارة عظيمة. ونحن في وزارة التربية والتعليم نقدر عالياً ما تقوم به بلدية دبي متمثلة بإدارة التراث العمراني لأن جهودها المبذولة تهدف إلى تنمية المجتمع من خلال إنارة التراث، ولا قيمة لأي أمة دون تراثها. ونعتبر هذا النشاط الطلابي المتميز ركيزة أساسية في بث الوعي بالتراث لأنه جزء لا يتجزأ من العملية التربوية الشاملة. ولا نبتكر شيئاً جديداً لو ركزنا على تراثناـ فالأمم كلها تركز على تراثها ولا يوجد تطور بدون ذلك. نحن نسعى من خلال تضافر جهودنا إلى تزويد النشء الجديد بحصاد المعرفة الإنسانية، دون إهمال نتاج إنجازات الأجيال السابقة. إنها الرسالة المعرفية الأكثر تأثيراً في نفوس الناشئة لأنها الأكثر ديمومة، لأنها كالغرز الذي لا يموت. وكل ذلك يؤدي إلى تعزيز وعي الأجيال الناشئة بموروثهم الحضاري، وتطلعهم نحو مستقبل أفضل».
خطة شاملة
وأضاف رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني: «ضمن خطتنا الشاملة، نقيم للمرة السادسة، المسابقة التراثية لطلبة المدارس وعلى مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتقوم وهذه المسابقة في فلسفتها على تحقيق توعية ثقافية إدراكية لدى النشء والأجيال الصاعدة من أبنائنا بقيمة التراث والموروث التاريخي لهذا البلد.
ونعتبر أنفسنا في إدارة التراث العمراني ليس وظيفتنا ترميم المباني الحفظ على التراث فحسب بل على نشر الوعي بهذا التراث وجعله كالشرايين التي تصل الدم إلى كافة أنحاء الجسم.
كما يهمنا أن نحيي في نفوس أبنائنا هذا الشعور بالتراث والاعتزاز به لأنه جزء من الاعتزاز بهويتهم. كما نسعى إلى تأصيل هذا الوعي لدى الطلبة والناشئة لأنهم بناة المستقبل، ولا بد أن ذلك يؤثر على ممارساتهم وتصرفاتهم في المستقبل. ونسعى لتوسيع هذه المسابقة التراثية للتعاون مع مؤسسات جديدة، تسهم معنا في نشر الوعي بالتراث، لذلك يهمنا كثيراً أن نتعاون بخبراتنا وكوادرنا مع وزارة التربية والتعليم التي تضع التراث كمادة أساسية في مناهجها التعليمة، لأن ذلك سينشر بالروح العلمية والممارسة التربوية. ولا يمكن لجهة معينة أن تقوم بهذا العمل لوحدها لذلك فإننا نسعى إلى شراكات جديدة كما نعمل على إضافات معارف ونشاطات معرفية إلى مسابقتنا التراثية السنوية».
جهود كبيرة
وقال خالد الزرعوني، رئيس فريق الأنشطة والفعاليات في إدارة التراث العمراني: «بذلنا لإنجاح المسابقة التراثية جهوداً كبيرة لأنها تشمل جميع إمارات الدولة، وخاصة في مجال اختيار الأعمال المشاركة. واستطاع كل مشارك أن يختار رؤيته البصرية وموهبته الكتابية ومهاراته التصنيعية من خلال الواقع والبيئة التي يعيش فيها.
وتتيح هذه المسابقة التراثية فرصة التعبير عن مواهب الطلبة الكامنة في نفوسهم، ولا يمكن أن تخرج لولا تحفيزهم وتوجيههم في الاتجاه الصحيح. فعلى مدى السنوات الست، عمر المسابقة التراثية، ظهرت الكثير من المواهب في ميادين حساسة للغاية، تفيد مستقبل الأجيال الشابة: وهي ميادين الرسم والتصوير والأبحاث والمجسمات. ونحن لا نعوض أبداً عن المراكز الراعية والمؤهلة والرائدة في هذا المجال، بل نحن نسعى إلى توجيه هذه المواهب وتنمية الكوادر للمستقبل.
ولا يمكن أن نقوم بذلك لوحدنا بدون شركائنا في هذه التعلية. وكل المؤسسات المتعاونة مع إدارة التراث العمراني يهمها كثيراً نشر الوعي التراثي لأنها معنية بالتنمية، ولا يمكن لنا أن نقوم بذلك لولا الاعتماد على الجيل الجديد.
كما نركز كثيراً على اشتراك قطاع هام من ذوي الاحتياجات الخاصة وهم بأمس الحاجة إلى هذه المشاركة لأنها تهدم الهوة بين إعاقاتهم وبين الطلبة الآخرين. ولا يتم ذلك إلا من خلال اكتشاف كفاءاتهم ومواهبهم. وقد خصصنا لهم مسابقة الرسم بالألوان، وقد أبدع الكثير منهم وكان لنا مفاجأة سارة».
شاكر نوري



