طلب مني أن أكتب عن بداياتي ومفارقاتها فكتبت. كتبت مسرحية جميلة وعمري 26 عاما، كنت شابا يافعا مليئا بالشعر والحياة، وفي هذه السن تتداعى الأحلام والأماني، فتبدو الحياة في المتناول والأحلام قريبة. قبل أن أنصرف إلى كتابة هذا العمل المسرحي كنت أنوي كتابة نص مستوحى من عمل مسرحي بعنوان (جسر آرتا) لكاتب يوناني معاصر، لكن لعظمة النص الأصلي عجزت عن مجاراته، وعرفت أن المشروع صعب فماذا افعل إذن والمهمة شاقة! كنت حينها في جمهورية مصر فقررت العدول عن فكرة كتابة نص مستوحى من نص آخر فكتبت جميلة. وهي التجربة الجريئة في مسيرتي الإبداعية، وقد عبدت لي بعد ذلك طرق التجريب.
هذه المسرحية عرضت سنة 1990 على شاطئ الخان المفتوح، في مكان وكأنه أعد أو خلق لهذا العمل المسرحي، واستمر عرضها 30 يوما بالتمام والكمال، رغم أن العرض كان في الهواء الطلق، وكانت الطرق غير معبدة، إلا أن الحضور بشّر بموسم مسرحي استثنائي.
تحكي المسرحية قصة حب بين المجنون وجميلة، وهي الغالية ابنة العز، بينما هو بسيط الحال وأيضا مجنون. كان مهر جميلة حبل البوم، لكن البوم غارق في (الغبة) مع أساطيره وألغازه. تحدى المجنون هذا الشرط التعجيزي واحضر حبل البوم كرمز للمهر المرتفع، ولتحدي الصعاب وقهر المستحيل. إنها قصة تروى برومانسية محببة تؤكد خصوصية المكان، كما تؤكد أن قصص الحب تحدث في كل زمان ومكان، ولتصبح جميلة قصة شعبية ستروى على مر السنين.
اكتشفت بعد كتابة المسرحية أني غارق في الحكاية والشعر والعواطف الجياشة، وأنه عندما يتواجد الحب في مكان تتواجد اللغة.
في الحكاية أهدى الأب ابنته العروس عقدا من اللؤلؤ لكنه أوصاها قائلا (يوم بسيرين البحر لا تلبسين العقد، لأنه بيشرد وبيعود لبيته ولبحره) وهو بذلك يطلب منها ألا تقطع وصله وألا تبتعد عنه كثيرا. إن جميلة كتبت نثرا لكن بلباس الشعر، وكانت الحكايات التي رويت في المسرحية هي جزء من حكاياتنا مع أحبابنا وخلاننا، بشرط البحث عن الجمال دائما.
عرضت المسرحية وهي من (تأليفي وإخراجي) ولاقت من النجاح والاستحسان ما فاق التصور، واعتبرت من الأعمال المهمة في التجربة المسرحية العربية، ونالت العديد من الجوائز.
لأن اغلب الذين حضروا المسرحية تفاجأوا بطقسها وباللهجة المحلية المحكية، وكان البحر هو البطل المطلق، والممثلون وهم جوهر المسرح كانوا في غاية الاندماج والبساطة في الأداء وكأنهم في مجلس يتسامرون بحكاية هي حكايتهم. الجميل بعد ذلك أن تحولت المسرحية إلى مسلسل تلفزيوني من إنتاج تلفزيون قطر.
ما ميز هذه التجربة أن المسرحية قدمت في الهواء الطلق وهذه كانت تجربة نادرة في مسرح الإمارات أن تستغني عن خشبة المسرح لتعرض في الهواء الطلق، يمكنني القول أن تجربتي مع جميلة ومع الشعر بشكل خاص كما لو كانت نبوءة للمستقبل أن اكتب الشعر والمسرح وأجرب.
وهو ما تحقق فعلا بعرض عمل تال وهو مسرحية (قبر الولي) وكان في الهواء الطلق أيضا، لأن جرأة البدء عمقت لدي الاشتغال على فكرة قبر الولي. نعم جميلة هي من حدد مساري الإبداعي والفني فعلا.
المسرحي والإعلامي جمال مطر