اتفق التربويين على وجود جوانب تحتاج إلى تطوير واهتمام لتفعيل العلاقة الايجابية بين الطالب والمدرسة، وألقى البعض باللائمة بالدرجة الأولى على كل من الإدارة المدرسية التي بإمكانها تحسين تلك الصورة وبذل جهد أكبر، وكذلك المعلم في ظل افتقارنا اليوم «للمعلم النموذج» ووجود الدروس الخصوصية التي جعلت علاقة الطالب بالمعلم «علاقة منفعة»، هذا بالإضافة لقناعتهم بغياب الأنشطة المحفزة في ظل طول اليوم الدراسي وتدني مستوى التغذية، وبناء عليه طالبوا بتفعيل عدة جوانب لتغيير تلك الصورة السلبية في ذهن الطالب حول مدرسته.
منيرة صفر مدير إدارة الاتصال الحكومي بوزارة التربية ومن واقع خبرتها لفترة طويلة في إدارة الأنشطة الطلابية، أكدت أن الأنشطة اليوم في المدارس ليست جاذبة كما كانت في السابق بل أصبحت أكثر محدودية وتقتصر على الرياضة في الثانوية ويغيب نشاط الموسيقى عن الحلقة الثانية وغيرها، فمن الضروري تطوير نوعية النشاط الطلابي وربطه بالمناهج والتفاعل مع مؤسسات المجتمع في تحقيق ذلك، مشيرة إلى أنها تلوم الإدارات المدرسية بالدرجة الأولى التي لا تفعل ذلك خاصة أن لديها صلاحيات التوسع في النشاط على مستوى المجتمع المحلي بما يساهم أيضا في تطوير مهارات الطالب في التواصل خارج البيئة المدرسية.
كما اعتبرت صفر أن المعلم يلعب دورا هاما في هذا المجال من خلال تطوير أسلوبه التعليمي وحفز الطالب على التفاعل في الحصة من خلال استخدام التعلم التعاوني والتعليم باللعب.
غياب النموذج
وذكر إبراهيم حسن البغام رئيس قسم الإدارة التربوية في منطقة رأس الخيمة التعليمية، أن عدة أمور جعلت المدارس بيئة غير محببة للطلبة، إلا أن أهم الأسباب والقصور يقع على المعلم بحد ذاته، فمع تطور المجتمع وتطور فكر الطالب نفسه لم يعد المعلم هو وسيلة المعلومة الوحيدة للطالب، التي يمكن أن يستقيها من الكتب والإنترنت.
بل إن الطالب قد يتفوق على معلمه في إحضار المعلومة وفهمها، ما يترتب عليه احتياج الطالب لأمر آخر وهو النموذج الأخلاقي والتربوي للمعلم، الذي يتعلم الطالب منه الأخلاق والقيم والسلوكيات الصحيحة، وهذا ما نفتقده في معلمي اليوم الذين يفتقدون المهنية والولاء والأبوة المعنوية للطلبة.
ويضيف البغام أن تواجد معلم كفء يعني سد النقص في أي خلل تعليمي، فلو أوجدتَ أفضل المناهج والوسائل التعليمية وأفضل المدارس الحديثة وأكثرها تطوراً، وأدخلت معلماً منفراً للطالب غير قادر على التواصل معه وإقناعه بدوره النموذجي، فلن تلقى أي استجابة أو رغبة من الطالب في التعاون معه، والعكس صحيح؛ فالمعلم النموذج قادر على مواءمة المنهج مهما كانت صعوبته وطرحه بطريقة سلسلة ومرنة للطالب مهما كانت نوعية وبساطة الوسيلة التعليمية.
العقاب والمسطرة
ويؤكد عيسى الفلاح مدير المكتب الفني لمدير تعليمية رأس الخيمة، أن التشويق هو البوابة التي يفترض أن يدخل الطالب المدرسة من خلالها، وهذا الأمر غائب في المدارس، بل إن أكثر من 50% من المعلمين والمعلمات يفتقدون للعاطفة في التدريس، وهذا نتيجة كونهم غير تربويين ولا يمتلكون الأدوات التربوية التي تعزز هذا الدور.
وأشار الفلاح إلى أن هذا النقص التربوي لدى المعلمين ولد في المدارس وإداراتها «عنفاً مفتعلاً»، وذلك باستخدام أساليب غير تربوية لفرض الانضباط السلوكي في المدارس الأمر الذي حول المدارس إلى بيئة غير جاذبة للطلبة، في ظل غياب الذكاء العاطفي المخول بتقدير الوسائل المناسبة لجذب الطالب فيكون الضرب أول دواء للطالب وليس آخر الدواء.
علاقة الطالب بأسرته
من جانبها ذكرت مريم الشامسي موجهة المختبرات في تعليمية أبوظبي أن الطالب لديه طاقات كبيرة وإبداعات ولكنه يحتاج للمساحة الزمنية لإبرازها، وأن المعارض التي تقام لأعمال الطلبة تؤكد ذلك، مشيرة إلى أن الطلبة عامة يرغبون في الذهاب للمدرسة وقضاء الوقت مع زملائهم وتلقي العلم، ولكن يؤثر سلبا على تلك الرغبة طول الدوام المليء بالحصص الدراسية يتبعها العودة للمنزل محملاً بالواجبات والاختبارات.
مؤكدة ضرورة إعادة النظر في هذا الجانب وإتاحة المجال بحصة يومية ممكن أن تكون نهاية الدوام يتمكن الطالب خلالها من أداء واجباته، ليتفرغ في المنزل للمراجعة والاجتماع بأسرته، منوهة إلى مطالبتهم لأكثر من مرة بذلك لأن هناك طلبة يتغيبون ويتمارضون لخوفهم الذهاب للمدرسة دون إنهاء فروضهم، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بالوجبة الغذائية للطالب خاصة في ظل الدوام الطويل، فوجبة الطالب إلى اليوم تخلو من المواصفات الصحية فيجب مراعاة المعايير الصحية والعمرية في تقديم الوجبة للطالب ووجود مراقب أغذية بالميدان.
الدروس الخصوصية
من جانبها رأت عائشة الضبع رئيسة مجلس أمهات تعليمية أبوظبي سابقا أن المدرسة تصبح بيئة طرد للطالب كلما زادت من الضغط عليه بالمواد الدراسية دون متنفس، وكذلك بالنسبة للأسرة كلما زادت من أعبائهم بكثرة متطلباتها، مشيرة إلى أن الطالب بحاجة لمعلم يفهم طبيعة قدراته وإمكاناته، فكثير من الطلبة يحب المادة لعلاقته الايجابية مع معلمها المتميز في تقديمها وهناك علاقة تقدير واحترام بين الطرفان.
ولكن هذا الجانب غائب لدى بعض المعلمين الحريصين على التعاطي مع الدروس الخصوصية التي جعلت العلاقة بين الطالب والمعلم «علاقة منفعة متبادلة» وقللت من تقدير الطالب لمعلمه ومكانته، فالمعلم لا يهتم بأدائه في الحصة لصالح الدروس الخصوصية.
جانب آخر غير جاذب في رأي الضبع متعلق بطبيعة اليوم الدراسي الطويل دون محفزات وعوامل مشجعة للطالب للاحتفاظ بلياقته الذهنية والبدنية، فأغلب الحصص دراسة أكاديمية ولا مجال للأنشطة التي تعد مكملة للعملية التعليمية لا هدرا للوقت،كذلك تواجه المدارس نقصا في مجال الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين الذين يمكنهم لعب دور أكبر في متابعة الطالب ومشكلاته المدرسية والأسرية وبالتالي ربطه بالمدرسة وتنمية مهاراته الشخصية.
آخر الخيارات
ويرى نادر المندوس مدير مركز رعاية التميز في منطقة رأس الخيمة التعليمية أن ثقافة المجتمع الحديث والأسر بل والطالب ذاته أثرت في نظرته السلبية للمدرسة، فلم يعد التعليم والحصول على الشهادة العليا خيار الطالب الوحيد، فبشهادة متوسطة يستطيع التوظف بمرتب خيالي يفوق راتب حاملي أكبر الشهادات، الأمر الذي لا يخلق له الدافعية الحقيقية لحب المدرسة وتحمل سلبياتها.
ويتحدث مدير مركز رعاية التميز عن هذه السلبيات التي تعيق إقبال الطلبة على المدرسة كالمبنى المدرسي والصف الدراسي غير المتناسب من الناحية الجغرافية والفنية مع ظروف المجتمع واحتياجات الطلبة، فرغم التغيرات التي حدثت في الصف فمازالت السبورة هي السبورة مع تغير اللون من الأسود إلى الأبيض وكذلك الحال بالنسبة للوسائل التعليمية، والمقاصف والمكتبات والأنشطة الطلابية.
ثلاثة أسباب تربوية تؤسس لكراهية المدرسة
الدكتور محمد محمود موسى رئيس قسم التربية بجامعة الحصن ناقش فكرة كراهية بعض الطلبة للمدارس موضحاً أنها ترتبط بعدة عوامل أبرزها ثلاثة أسباب، أولها أسباب نفسية التي تتمثل في اكتساب الطالب خبرات سيئة ناتجة عن المعاملة غير الجيدة من قبل بعض المعلمين تنمو بداخله فيما بعد مع تعميمه لهذه الصورة على الجميع، كذلك إذا كان أحد الوالدين من النوع المتسلط الذي يستخدم العقاب البدني مع الطالب فيضمر الطالب الكراهية له في ذاته وينعكس فيما بعد على المعلم الذي يكره الطالب كبديل للأدب.
أما الجانب الآخر فمرتبط بأسباب أسرية ناتجة عن تذمر ولي الأمر بشكل مستمر من متطلبات المدرسة وربط ذلك بالمشكلات المادية للأسرة مما يزيد من قلق الطالب تجاه المدرسة، أيضا بعض الأسر تعتبر مستوى التحصيل هو المحك الرئيسي في الحكم على سلوك الابن ومعاملته، فيحاول تحسين وضعه وصورته مما يؤثر على علاقته بالمدرسة، بالإضافة إلى المشاحنات المنزلية والظروف الأسرية الأخرى الغير مستقرة.
ويدور الجانب الثالث كما يقول د. موسى حول الأسباب المدرسية والتي تتعلق ببيئة المدرسة منها مستوى الطالب وتعرضه للرسوب المتكرر، وأسلوب المعلم الذي يميل للتهديد والعقاب دون مراعاة نفسية الطالب ومشكلاته، الأعباء المدرسية اليومية التي تعرض الطالب في حال التقصير للعقاب.
وحول كيفية جعل الطالب يحب المدرسة ذكر رئيس قسم التربية أن المختصين اتفقوا على ضرورة تهيئة جو اسري مستقر للطالب وحل المشكلات التي تعيق تحصيله الدراسي، ومعالجة الجوانب المنفرة التي يتعرض لها الطالب في المدرسة لتتحقق المتعة من الذهاب للمدرسة، مشيرا إلى ضرورة اختيار المدرسة المناسبة للطالب وعدم تغييرها بشكل مستمر، والاهتمام بجانب الهوايات والحرص على كشف ميول الطالب وإشباعها.
لبنى أنور - رباب جبارة
