مسافة قصيرة، بين بابين متقابلين، الممر الرخامي الواصل بينهما.. بارد، كما لو أنه منحاز لأحدهما.

هذا الممر المشدود إلى الأعصاب من جهتين، لا يعرف الهدوء أو التأني، يشهد هرولة دائمة لذوات الأردية البيضاء نحو البابين في كلا الاتجاهين.

من المدون على أحدها تتوقع أسارير الناس المستبشرة، وما كتب على الآخر يجعلك تستعد لتلاوة سورة الفاتحة.

هكذا تبدو الصورة في البداية، ويكفي أن تقترب قليلا حتى يتناهى إلى سمعك إما زغاريد وإما عويل، وكلاهما صيحتان تعبران عن حدث ما خلف أحد تلك الأبواب.

حدثان.. أحدهما بارد والآخر ساخن، فهاهنا دخول إلى الدنيا بصرخة يتبعها تهليل وانفراج أسارير آتية مع صرخة الميلاد المفرحة، بينما هناك.. خلف الباب الآخر خروج من الدنيا بحشرجة احتضار، يتبعها حوقلة واحتساب محزن عند الله، لوعة قادمة من غرفة الإنعاش أو العناية المشددة.

الآن تكبر الصورة وتتضح ويبدو أنهما.. قسم الولادة وقسم الإنعاش وانه المشفى.. وما بين الموت والميلاد مجرد أمتار قليلة ومجرد ممر رخامي يسجل استنفار ملائكة الرحمة وجنود أو فدائيي الصف الأول على مدار الساعة.

فكيف يتسنى لهؤلاء وهؤلاء انتزاع انطباعاتهم في الحال، فيكونوا مع ذوي هؤلاء وذوي هؤلاء مهنئين هنا ومواسين هناك، بينما الفاصل لحظات.. مجرد لحظات ولكنها.. الحياة.

في هذا المكان يتحقق مبدأ الحياد في أقصى أشكاله ويتجلى واضحا، ولكنه بلاشك قاس إن لم يكن مدمرا على المدى والتكرار.

هنا، أمام هذين البابين.. وعند هذا الممر الرخامي البراق؛ لا مجال للعجب ولا الاستغراب، ولا يمكن سوى التوقف داخل الذات متسائلين ومتأملين، فالموت والميلاد لحظتان متزامنتان، وصيحتان متعاكستان لحالتين متناقضتي المشاعر والتبعات، ولجسدين يخرجان في اتجاهين جسدان ملفوفان بذات الرداء، فهنا نفس في كفن أبيض وهنا نفس في قماط في الغالب أبيض.

ونبقى جميعنا من الأزل وإلى الأبد مشدودون على ذلك الممر الرخامي بين ميلاد ووفاة، وبين حياة وممات.

إنهما حالتان لا يملك المرء الخيار بينهما، كما لا يمكنه استدعاء أو إلغاء أي منهما، فلا هذه بيد الإنسان ولا تلك. وما بين اللحد والمهد مجرد ممر قصير ومجرد بضع خطوات.

فاطمة محمد الهديدي