يتضاءل مشهد البياض الذي تُشع به «الكندورة» الإماراتية بين أجيال اليوم من الصبية، وتُستبدل الصورة بأخرى أكثر ألواناً.. والقطعة الممتدة ببياض الطفولة بقطع متعددة تذوب فيها الهوية الإماراتية، فيكاد يقتصر المشهد على صلاة في المسجد أو سلام في العيد، أو رحلة إلى المجلس مع الوالد أو الإخوة. أما المدرسة فبدورها تخلت عن «الكندورة» بدافع إيجاد زي عصري يُسهل حركة الطلبة في المراحل الابتدائية ولا يُعيقها، فحل «اليونيفورم» محل الكندورة الإماراتية.
حكاية اختفاء «الكندورة» لا تقف عند عتبة المدرسة، بل تمتد إلى المنزل والفريج الذي يفتقدها أيضاً، فالصغار وجدوا في البنطلون والقميص زياً مناسباً لممارسة مختلف الأنشطة، بينما تبقى الكندورة زياً محبباً للقلب في المناسبات والأعياد، أما مسؤولية الحفاظ عليها فيتقاسمها المنزل والمدرسة معاً رغم ما يُشاع عن أنها غير مناسبة للمرحلة العمرية لطلاب المراحل التأسيسية، باعتبارها مرحلة عُمرية نشطة تتطلب حركة دائمة لا تُلبيها الكندورة. الطلاب عبروا صراحةً عن تفضيلهم لارتداء البنطلون والقميص، باعتباره زياً مريحاً وعملياً، بينما أكدوا أن الكندورة هي الزي الأمثل للذهاب إلى صلاة الجمعة، والأفضل لأناقة العيد والمناسبات الوطنية والدينية.
خليفة درويش بوعديل طالب في الصف السابع، لا يتردد في اختيار البنطلون والقميص لأنهما أسهل للحركة واللعب، ويرتدي الكندورة في المناسبات، كالعيد أو الذهاب للمسجد يومياً، وهل تحب عائلتك أن ترتدي الكندورة؟ «نعم .. لأنها زي وطني ..». يرتدي خليفة للمدرسة البنطلون والقميص، ولكنه لا يُمانع من ارتداء الكندورة في حال تم تعميم ارتدائها، ويحب الكندورة ذات اللون الأبيض والبني، ويجيد لبس «العصامة» بنفسه، ويفضل ارتداءها للأماكن المناسبة أثناء الذهاب بصحبة والده إلى المجلس أو زيارة الأرحام، أما إلى البحر أو الملعب فهو يُفضل لبس الرياضة. ويؤكد أنه سيحتفل بالكندورة قريباً عبر المشاركة في احتفالات العيد الوطني بالمدرسة.
للزيارات والأعياد... ماجد عمر طالب في الصف السادس يحب لبس الكندورة عند الذهاب للصلاة في المسجد .. أو كجزء من أناقة عيدي الفطر والأضحى، ويسارع في لبس الجلابية للمنزل أو ملابس الرياضة عند الذهاب للنادي أو للعب برفقة الأصدقاء. ولم لا تحب الكندورة؟ «لا أستطيع اللعب والركض بالكندورة كما أنها تتسخ بسرعة».. ويحب ماجد الكندورة البيضاء والزرقاء، ويؤكد أن الأناقة لا تكتمل دون «العصامة» التي تتوج الزي الوطني بالإضافة إلى الوزار ونعال مندوس. ويقول «أحب ارتداءها عند زيارة بيت خالتي في العيد لأنها تعبر عن الإماراتيين.. وحتى يعرف الناس أني إماراتي».. واعتبر ماجد أن الكندورة الإماراتية هي الأحب إلى قلبه بين مختلف الشعوب التي ترتدي الكندورة، لأنها مميزة بطربوشتها وعناصرها الجميلة كالعصامة والوزار والنعال.
علاقة قديمة
علاقته بالكندورة بدأت منذ الصغر، محمد جمعة المهيري، -طالب في الصف السابع- ولد وتربى في بيئة محلية محافظة، تحرص على بث المفاهيم الوطنية في السلوك والمظهر، يعبر محمد عن شغفه الكبير بالكندورة، التي يسارع بارتدائها فور وصوله من المدرسة، ويؤكد أنها لا تعيقه عن ممارسة هواياته المفضلة واللعب مع أصدقائه، أما الملابس الأخرى كالبنطلون أو «الشورت» والقميص فهي غير عملية بالنسبة له وتشعره بالحر دائماً عند ارتدائها. أما في الرحلات المدرسية فهو يُضطر للبس ملابس الرياضة التزاماً بالقوانين.
ويجيد محمد ارتداء العصامة بنفسه، حتى تكتمل أناقته، ويُفضل ارتداء الألوان الفاتحة التي تتناسب مع الطقس الحار، بالرغم من سعادته بارتدائها إلا أنه يستهلك يومياً من كندورتين إلى ثلاث وذلك لأنها عرضة للاتساخ بسبب ألوانها الفاتحة.
ويؤكد أنه يرتديها طوال اليوم وخلال تواجده في المنزل وخروجه مع العائلة. ويتمنى محمد أن يرتدي الكندورة عند ذهابه للمدرسة كزي رسمي، وعدم اقتصارها على المناسبات الوطنية والتراثية.
والدة محمد ناولته الجرعة الأكبر في حب «الكندورة»، فعملت على تعويده منذ الصغر على ارتدائها، ولم تضع أمامه اختيارات أخرى، فوجد نفسه مرغماً على حب الكندورة معتاداً على ارتدائها باعتبارها زياً وطنياً أصيلاً.
تأكيداً على انحسار مشهد الكندورة البيضاء بين طلاب المدارس، لا يحب سعيد المهيري- طالب في الصف الخامس - لبس الكندورة الإماراتية، ويعلل ذلك بأنه لا يستطيع الركض واللعب عند ارتدائها، ولكنه يستدرك ويقول: «ألبسها عند الذهاب إلى الأماكن المهمة»، وما هي الأماكن المهمة؟ «يوم العيد وفي رمضان، ويوم نسير المسيد»..
ولا تقتصر الكندورة عند سعيد على رحلة صلاة الجمعة، بل عند كل صلاة، يتدارك لحظات الإقامة ويلبس الكندورة على عجل، ويذهب إلى المسجد.. ويعبر عن حبه للبس البنطلون أكثر عن الكندورة، ولكن عند لبس الكندورة لا بد أن تكون مكتملة الأناقة، فتُتوج بالعصامة، وهي الغترة الملفوفة على الرأس، ويؤكد سعيد أنه يلبسها بنفسه ويستعين بمساعدة أمه أحياناً على لبسها بالشكل الصحيح.
شغف
يظل شغف الأطفال متعلقاً بالألوان الزاهية التي اقتحمت ملابس هذه الأيام، فإلى جانب الكندورة البيضاء، يُحب سعيد ارتداء الكندورة الخضراء الفاتحة والبيضاء والبيج، ويستغل المناسبات الوطنية مثل اليوم الوطني لارتدائها، لأنها برأيه تُعبر عن الهوية المحلية.. ولا يحبذ ارتداءها كزي مدرسي، ويقول: «لا أحب ارتداءها للمدرسة فهي غير مريحة للحركة، ولكن إذا لبسها جميع الطلبة سألتزم بها».
اما في الزيارات العائلية فيحافظ سعيد على ارتداء البنطلون والقميص ليستمتع باللعب، «عندما أخرج بصحبة والدي لا بد من لبس الكندورة في الأماكن المهمة مثل مجالس الرجال، خصوصاً بعد صلاة الجمعة». هل تفكر في ارتدائها عندما تكبر؟ «لا أدري وقتها مخي سيتغير».. هل تعتقد أنك ستحبها؟ .. «عندما سأصبح في سن والدي بالتأكيد سأرتدي الكندورة».
الكندورة العربية أولاً
يؤكد أصحاب محلات الخياطة الرجالية أن الكندورة العربية «الإماراتية» هي الرقم واحد بيعاً وإقبالاً من قبل الشباب في الدولة وتمتاز بالقماش الخشن والتفصيل الواسع ذي الأكمام الواسعة مع وجود الطربوشة التي تضفي عليها الأناقة.
أما الكندورة الكويتية فتحتل المرتبة الثانية في الإقبال ويفضلها الجميع خاصة كبار السن لأن قماشها خفيف يتناسب مع أعمارهم، وتمتاز بأنها واسعة قليلاً وتختلف أكمامها حسب الطلب الواسع والضيق وهي أكثر الأنواع شيوعاً في فصل الصيف.
وعادة ما يتم تفصيل الكندورة العربية بالجملة وبمقاسات ثابتة في المصانع والتي بدورها تحرص على بيعها على محلات التجزئة ويتم استيراد الخامات من اندونيسيا والهند وباكستان.
أمل الفلاسي



