يأخذنا الشوق بين وقت وآخر لنخرج من الانفعالات اليومية مع الأوراق والأقلام وأجهزة الحاسوب إلى آفاق التاريخ العربي المفعم بالمعاني السامية والتجارب الناصعة التي تضخ إلى دمائنا حماس المعرفة ودلالات الحضارة.

توقفت كثيراً أمام إحدى معروضات صالة ابن الهيثم للعلوم والتكنولوجيا، كانت خريطة الكرة الأرضية التي رسمها العالم الجغرافي الأشهر الشريف الإدريسي المتوفى عام 1166م، والتي اعتبرت أول خريطة كاملة للعالم. تأملت الخطوط التي حفرها قلم العالم بدقة وحرفية متناهية على الورق، استوقفتني شفافية الخريطة وروعتها، ونقلتني إلى أكثر من ثمانية قرون مضت تغيرت خلالها الكرة الأرضية بأكملها.

تتجلت عظمة الحضارة الإسلامية عندما شاهدت الأدوات التي استخدمها العلماء المسلمون قديماً في الرصد الفلكي لمواقع وأحجام النجوم والكواكب المحيطة بالأرض ومنها آلة (الإسطرلاب) التي تمكن من خلالها تحديد اتجاه القبلة ودرجات انحراف البلاد المختلفة عنها، وتقدير ارتفاع الأجرام السماوية وعدد ساعات الليل والنهار.. ألهذا الحد امتلك العلماء السابقون ناصية الفلك وعلومه؟

ألهذا الحد وصلوا لأسرار هذا المجال بينما كانت أوروبا تغرق في ظلمات الجهل والتخلف فيما عرف تاريخياً بـ (عصور الظلام)؟.. أليست الحضارة الإسلامية هي من أنار أول ركن في القارة الأوروبية.. الأندلس؟

كان المرشد يشرح لوفد أجنبي محتويات القاعة قائلاً: «تضم القاعة العديد من الأدوات الهندسية المستخدمة في عمليات القياس والأوزان والأطوال، وماكينة كانت تستخدم في تقطير المياه وتحضير ماء الورد..

وهذه أدوات حساب الكميات والبناء والتشييد، وأدوات حساب مواقيت الصلاة والأشهر القمرية، كما يعرض هنا نموذج معدني يوضح المجموعة الشمسية وموقع الأرض فيها، وتعرض هنا الكرة المحلقة التي أمكن بواسطتها إثبات نظرية تمدد المعادن، وكذلك الأداة التي استخدمت قديما في قياس القطر المرئي للشمس والقمر، كما تعرض آلة فلكية اخترعها واستخدمها أبو جعفر محمد بن الحسن الخازن أحد أشهر علماء الفلك في ذلك الوقت.

المعروف أن علم الفلك الإسلامي بدأ بين القرنين الثاني والثامن الهجريين وكان غالبية العلماء ينتمون لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

خرجت من متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة أحمل فخراً بالتاريخ القديم، وحزناً دفيناً على خروج هذه الحضارة من الأندلس!

أيمن حجازي