تجاوزت اليوم السبعين من عمري، وقد تكون تجربتي الاجتماعية هي الأبرز في حياتي لكونها التجربة الأهم والأطول بالنسبة لي. وفي البداية لن أقول إن جميع زوجات الأب ظالمات، لكن أيضا لسن جميعهن ودودات مع أولاد الزوج وخاصة إن كان الأولاد إناثا، وكان حظ زوجتي اليتيمة زوجة أب قاسية.
كانت في السادسة من عمرها حين تزوج والدها بعد وفاة والدتها، فاستغلت زوجة أبيها وحدتها وضعفها، وكانت تلقي عليها بأعباء الخدمة في البيت كاملة بلا رحمة. وقد أنجبت الزوجة الجديدة عددا من الأولاد من الذكور والإناث، فكانت الصغيرة خادمة للجميع، لكنها لم تكن تسلم من عقاب مشدد إذا توانت عن إتمام العمل وتلبية كافة الطلبات بسبب الإنهاك أو الجوع لتجد أدوات المطبخ طريقها القصير إلى بدنها الصغير.
تماماً كما حصل حين امتدت يد زوجة الأب في ثورة غضب عارمة إلى مغرفة معدنية للطعام ثم هوت بها على رأس الصبية فشجته وأدخلت الفتاة في غيبوبة ظنها المحيطون بها أنها غيبوبة الموت، لكن الله قد لطف بهم حين استعادت وعيها بعد ساعات لكنها حين أفاقت بدت غير مدركة لما حولها، فقد تضرر دماغها من شدة الضربة على ما يبدو، ولأن الطب في ذلك الوقت لم يكن كما هو اليوم، فقد ظلت الفتاة على حالها ولم يهتم بعلاجها والد كان يكد طوال نهاره لتأمين لقمة العيش لهذه الأفواه المتزايدة، وكان أقصى ما يمكنه أن يعهد به إلى زوجته لمداواتها بالمتوفر من الأعشاب المحلية حسب العلاجات الشعبية المتبعة.
لم تشفق زوجة الأب على هذه المسكينة حتى بعد إصابتها، وظلت تكلفها بأعباء البيت كالسابق غير أنها لم تبق على إلحاحها في طلب الخدمة.
في ذلك الزمن كان الناس يعرفون بعضهم البعض، ويتواصلون ويعرفون قضايا ومشاكل بعضهم ويتعاونون على حلها، وكانوا يتنافسون على القيام بمكارم الأخلاق، ويتبارون على عمل الخير في ما بينهم. وقد كان خبر الصبية قد وصل إلى والدتي فاقترحت علي أن أتزوجها لتتخلص من ظلم زوجة أبيها.
ولأن الفتاة كانت قد بلغت مبلغ النساء فقد قمت بخطبتها من أبيها وتزوجتها، علما أنها كانت تقريبا بنصف دماغ إن جاز التعبير فقد أثرت تلك الضربة على قدراتها الذهنية كما بدا. لكني لم أتذمر ولم أحزن بل قمت بطيب خاطر برعايتها والسهر على حمايتها حتى من نفسها، وقد رزقني الله منها بالأولاد والبنات، وكنت أقوم بنفسي بالإشراف على تربيتهم ورعايتهم لكي لا يتعرضوا للأذى لأن الأم ليست في كامل قدراتها الإدراكية. وقد كبر الأولاد والبنات وأصبحوا آباء وأمهات صالحين والحمد لله. وها أنذا لا أزال أعيش مع هذه الزوجة.
أقول إن تجربتي قد لا تكون نموذجا أو أمرا كبيرا أو تضحية، ولكن هو واجب اعتدنا عليه نحن جيل ذلك الزمن، زمن كانت تسود فيه القيم الجميلة والنبيلة من الإيثار والصبر والمساعدة والرعاية والإخلاص. أعلم أن كثيرين قد لا يصدقون هذه التجربة وأن هناك من يقبل الزواج بامرأة تعاني من إعاقة، ولكن هذه الحقيقة..
لأننا من زمن كنا ندرك فيه ما هو الواجب ونؤديه برحابة صدر وعن طيب خاطر ورضا، وفي النهاية هو النصيب أيضا، وقد أكرمني الله بأولاد صالحين وبتمام الصحة والعافية.