عندما انهار سور برلين قبل عشرين عاما، في تحول تاريخي فريد من نوعه، لم يكن أحد يتصور أن هذا الكيان الهائل سيأتي عليه حين من الدهر يتساءل الناس قائلين: أين اختفى سور برلين بالضبط؟ لكن هذا هو ما يحدث اليوم على وجه الدقة.
كان سور برلين كيانا هائلا بكل المعايير، سواء على الصعيد العضوي أو السياسي أو من حيث تأثيره النفسي. فقد كان يمتد بطول 184 كيلو مترا من الإسمنت المسلح وبارتفاع يقارب أربعة أمتار وبعرض حوالي متر ونصف المتر، فضلا عن 154 كيلو مترا من الأسلاك الشائكة.
وقد اختفى هذا كله كأنه لم يكن له وجود. واليوم بعد عشرين عاما لم يبق من السور إلا كتلة تمتد 70 مترا، أعيد تشييدها أمام مركز توثيق سور برلين، وهو الجزء الوحيد الباقي من السور في برلين.
وقد استخدم معظم السور في دعم وتطوير طرق ألمانيا الشرقية، وذلك على الرغم من أن 360 كتلة ملونة بشكل خاص، قد بيعت في المزادات التي أجريت في برلين، باريس، ومونت كارلو. ومن المعروف أيضا أن محطمي السور قد وصلوا إليه قبل الجنود ومضوا ينتزعون أجزاء منه بالمطارق والأزاميل بدوافع أيديولوجية أو تاريخية أو تجارية صرفة.
وقد قام رجل أعمال يدعى فولكر باولوفسكي من المانيا الغربية بانتزاع 300 متر من السور، فضمن لنفسه نشاط أعمال يدوم مدى الحياة، حيث يقدم حالياً الآن مايزيد على 90% من المعروض في سوق تذكارات السور. ويمكنك اليوم شراء قطعة من السور بحجم قبضة اليد أعيد تلوينها بشكل جميل مقابل 12 جنيها استرلينيا . اما القطعة الأصغر المزودة بحلقة للمفاتيح فهي تباع مقابل 6 جنيهات إسترلينية.
وقد كان الأب مانفريد فيشر من أوائل من تصدوا في عام 1990 للحفاظ على جزء صغير على الأقل من السور، وهو يقول في هذا الصدد «لقد خرجت ورحت أتوسل لمحطمي السور للكف عن تدميره، وكنت أعرف أن علينا أن نبقي على شيء منه، على جزء صغير . لقد كان السور جريمة، وعلينا أن نحتفظ بدليل على ارتكابها، نحتفظ بشيئ لايدع مجالا لمناقشة حدوث الجريمة ».
وقد عادت الجهود التي بذلها فيشر بجانب من ثمارها المرجوة، حيث لاتزال السبعين مترا الممتدة أمام مركز التوثيق هي البقية الوحيدة البارزة من السور في برلين، والتي تقوم على فكرة ما كان عليه السور والنطاق الهائل للتحصينات التي كان يضمها السور، حيث كان السور في الواقع سورين، أحدهما من الأسلاك الشائكة يواجه الشرق والآخر من الاسمنت المسلح غير القابل للتسلق يواجه الغرب.
وبين السورين كان هناك قطاع رملي لرصد آثار الأقدام مع طريق للدوريات المسلحة المزود بكلاب الشرطة والمصابيح الكاشفة. واليوم يمكنك تسلق درج برج مراقبة وإلقاء نظرة على امتداد قصير من الأسوار، على الرغم من أنها ليست مزودة بالتحصينات المرعبة التي كانت متصلة بها يوما.
ويتدفق السياح اليوم على برلين في جولات تستهدف استعادة ملامح هذا القطاع الرهيب من تاريخ الحرب الباردة . ومن المحقق أن الكثير من هِؤلاء السياح سوف يلتقون بالفنان الإيطالي فولفيو بينا، المشغول بإعادة ترميم عمل فني هائل، كان قد شكله هو و100 فنان آخرين من مختلف أرجاء العالم على السور في 1990، وسيقدم العمل النهائي للعالم مجددا خلال نوفمبر الجاري في شكله النهائي.
قسم الترجمة ـ «البيان»
