بصوتها ترسم فيروز زرقة سماء، وخضرة سهول.. وتختزل تاريخ الموسيقى المتوسطية المثقل بالعذوبة والحب والشجن.. والوطن، ولا تستغني الإذاعات من مشرق هذا الوطن العربي إلى مغربه عن صباح فيروزي اللون رحباني الهوى، يحتسي على أنغامه مستمعوها فنجان قهوة أو يُخففون وطأة الوظيفة.. بينما تبقى زرقة الفيروز مشهداً مشتركاً في البيوت والمقاهي والشرُفات.. والمواصلات المزدحمة.

التاريخ لا تصنعه أكاذيب السياسيين، بل يدونه تواضع الكبار، وكذلك فيروز القادمة من مدينة متكئة على الساحل من عائلة بيروتية، تنتظر بلهفة أول مئة ليرة تقاضتها أجرة غنائها في الإذاعة آنذاك، أما البداية الفعلية فكانت مطلع الخمسينيات مع الأخوين رحباني، أغنية نمت في إذاعة دمشق، وشجرة أرز غازلت أهرام مصر وتوليفة يصعب على فناني اليوم قراءتها. فيروز أطلس وجغرافيا، استقلت الحافلة من «تنورين» وأينعت في «جبل الشيخ».. وأزهرت على «دراج بعلبك».. عانقت القمر في «بيت الدين»، فيروز من غنت مكة والقدس، من صلت في محراب الوطن.. هوية وامتدادا في الوقت ذاته. في إطلالاتها الإعلامية المعدودة تنأى فيروز بنفسها عن حديث غير الفن وهمومه، وسيرة ملأها الشغف بموسيقى وطن حملتها على أكتاف صوتها للعرب في الوطن والمهجر.. والشتات، في السجون والمعتقلات.. فلا تتحدث جارة القمر سوى بلغة الموسيقى التي نسجها عاصي ومنصور..

وبفرح تجاوز حدود الكلام. فيروز التي عاصرت لبنان بزهوه وانكساره وغنته نضالاً ومقاومة، نسجت في أغنياتها حباً مفقوداً، وتوثيقاً لتاريخ غنائي ستأسف عليه الموسيقى يوماً، في شدوها إسقاط على واقع سياسي مر وقضايا اجتماعية تنثر على الملح جرحاً، هموم الوطن وقضاياه في أغاني الرحابنة التي شدت بها تؤكد أن الفن رسالة لا تُرسل عبثاً. بل تستشعر الهدف وتُصيبه. كرمت فيروز الوطن وحازت على أوسمته منذ البدايات، ففي عام 1957 حازت وسام الاستحقاق اللبناني من الرئيس كميل شمعون، أعلى وسام في الدولة يناله فنان، وغيرها من أوسمة عربية مثل وسام الاستحقاق السوري عام 1967 ووسام النهضة الأردني وتكريم واسع من رؤساء عرب. بلغة السياسيين..

فيروز حكومة لبنانية بوفاق وطني، ورئيس توافقي يحظى بشعبية واسعة، وحّدت المسامع حول موسيقى مخملية راقية، فهي مشروع جماعي تكاتفت فيه الكلمة واللحن والصوت.. وجماهيرية تلملم شتات وطن تنازعته الأزمات السياسية، لا تجمعه سوى أغنيات اختزلت الوطن في كلمات مموسقات وفي نغمات رائعات عبر صوت كأنه من السماء آت.

أمل الفلاسي