استوقفته في منتصف الطريق المؤدي إلى بيته، حيث كانت الشمس تميل إلى الغروب، ورغم عدم قدرته على رؤية تفاصيل وجهها الذي أخفته وراء الغطاء، إلا انه لاحظ في عينيها خوفا، فقد كانت تلتفت يمينا وشمالا، اقتربت منه وحاولت أن تتحدث إليه بصوت منخفض لكي لا يسمعها احد، حيث قالت: جئت إلى الإمارات لزيارة احد أقاربي، ولكن لم استطع الوصول إليه، ولم يبق معي ثمن تذكرة العودة إلى بلدي، فأعطني بعضا مما أعطاك الله، ودون تفكير سحب محفظته ليعطيها ما جادت به نفسه، ليواصل طريقه إلى بيته، في اليوم التالي وبينما كان يترجل من سيارته في الموقف، داهمه طفل صغير مهمل الملابس، أشعث الشعر، طارقا شباك سيارته، وما إن فتحه قال له الطفل:
«فلوس»، فناوله بعضا مما في جيبه، ليختفي الطفل بعدها في غمضة عين ويتركه في حيرة من أمره، يسأل نفسه عن السبب الذي يدعو طفلا صغيرا لم يتجاوز العاشرة للتسول، فهل هي الحاجة فعلا أم طريقه لكسب المال؟، أم ماذا؟ بحث كثيرا عن الإجابات ولكن دون جدوى، غير أنه ترك الأجوبة للأيام علها تكشف عن السبب الحقيقي.
لم تكد الأيام تمر حتى تكررت الحادثة معه ولكن في سياق آخر، وروايات أخرى، بعضها تدعي عدم القدرة على شراء الدواء، أو بهدف شراء تذكرة العودة، أو الفقر وقلة المال، وغيرها الكثير، وفي كل مرة كان يسأل نفسه عن مدى صحة هذه الروايات، وبقي كذلك حتى استوقفه في احد الأيام احد الأسيويين الذي بادره بالسؤال عن بعض المال، وقبل أن يعطيه سأله عن طبيعة عمله، فأجاب الأسيوي اعمل في إحدى شركات المقاولات، وقبل أيام طلب منا مدير الشركة أن نبدأ بالبحث عن عمل جديد لنا، لان الشركة ستتوقف عن العمل بسبب الأزمة المالية.
وهو محتاج إلى المال حتى يتمكن من تحويل جزء منه إلى بلاده، فأمه تحتاج إلى الدواء وأخته تجهز لعرسها، وإخوته عاطلون عن العمل، احتار صديقنا فيما يفعله مع الأسيوي، هل يعطيه المال ليذهب في طريقه، أم يمتنع عن ذلك، وفي النهاية قرر أن يتجاهل رواية الأسيوي وان يعطيه ظهره، مخاطبا إياه اذهب بعيدا وابحث عن عمل في إحدى الشركات، ومنذ تلك اللحظة قرر ألا يساعد أحدا حتى لو كانت الرواية إنسانية جدا.
ورغم دعوات الجهات الأمنية في الدولة وتشددها بعدم مساعدة هؤلاء، لوجود الجمعيات الخيرية التي تقوم برعاية الفقراء في داخل الدولة وخارجها، إلا أن مثل هذه القصص تحدث كثيرا في شوارعنا، وفي ظلال وأروقة العمارات المرتفعة، ومواقف السيارات، وقد تواجه أي شخص سواء كان غنيا أم فقيرا، ويفهم منها أن المتسولين أصبحوا يتسترون وراء هذه القصص، والتي تدخل البعض في حيرة العطاء أم المنع، فإذا أعطيته أكون قد ساعدته، وإذا لم أعطه قد أكون حرمت محتاجا من نعمة الله.
غسان خروب